الحلقة المفرغة للحوارات الفلسطينية

د. أحمد يوسف أحمد: الحلقة المفرغة للحوارات الفلسطينية

  • 29 مارس 2009

فيما يشبه أسطورة سيزيف الإغريقية الشهيرة، وعلى نحو دوري منتظم يثير الانتباه منذ فازت حماس بالانتخابات التشريعية في مطلع 2006، تتكرر جولات الحوار الفلسطيني-الفلسطيني دون جدوى مرة كل سنة، وفي التوقيت نفسه تقريباً؛ ففي فبراير/شباط 2007 جرى في مكة المكرمة ما سمي بـ"حوارات الوفاق والاتفاق الفلسطيني"، وفي مارس/آذار 2008 أعلن ممثلو حركتي فتح وحماس موافقتهم على المبادرة اليمنية كإطار للعودة بالأوضاع الفلسطينية إلى ما كانت عليه قبل أحداث غزة (أي الصدام الدموي بين الحركتين في يونيو/حزيران 2007)، وفي شهر مارس/آذار أيضاً، ولكن بعد عام كامل، شهدت القاهرة جولة جديدة من الحوار على نحو أفضل إعداداً ونهجاً.

تفاوتت حظوظ الجولات الثلاثة من النجاح؛ فتم التوصل في مكة في فبراير/شباط 2007 إلى اتفاق يحمل اسم المدينة المكرمة، ويذخر بالتفاصيل على نحو يثير القلق، فقد كان ظني دائماً أنه كلما ازداد الاهتمام بالتفاصيل في اتفاق ما، كان نصيبه من النجاح في التطبيق أقل؛ لأن التفاصيل الكثيرة تعني أن الخلاف ليس حول الخطوط العريضة فحسب، وإنما يطول كل شيء تقريباً، وقد كان. ولم تمض سوى شهور قليلة حتى وقع الصدام الدموي المروع بين فتح وحماس في غزة في يونيو/حزيران 2007. وتم التراضي بموجب إعلان صنعاء في مارس/آذار 2008 على المبادرة اليمنية، التي لم تكن سوى خطوط عريضة يحيل أحدها إلى اتفاق مكة، غير أن تعقيدات العلاقة بين فتح وحماس جرفتها كما جرفت هذا الاتفاق من قبلها. أما في القاهرة، وفي مارس2009، فقد فشل الحوار أصلاً في أن يصل إلى اتفاق، مع أن الإعداد له، كما سبقت الإشارة، كان أفضل، فضلاً عن أن نهجه كان أكثر شمولاً.

صحيح أنه ما زالت للحوار بقية، وأن الأمل في استئنافه قائم، ووصوله إلى اتفاق محتمل، إلا أن عين المراقب لا يمكنها أن تخطئ أن جولة الحوار هذه المرة لم تصل إلى الاتفاق المتوقع، وأن أعمال لجان الحوار قد مددت أكثر من مرة على أساس أن ثمة تفاؤلاً بتجاوز العقبات دون جدوى. وهكذا انتقلنا من الوصول إلى اتفاق تفصيلي في مكة (2007)، أعقبه صدام دموي إلى تفاهم عام في صنعاء (2008) لم يفض إلى شيء محدد إلى عجز عن التوصل إلى اتفاق في جولة القاهرة الأخيرة (2009)، ولهذا دلالاته التي يجب التوقف عندها والنظر فيها.

يزداد الأمر خطورة عندما نتأمل حصيلة الحوار الذي استضافته القاهرة (10-19 مارس/آذار 2009)، فقد ذكرت مصادر مصرية مطلعة أن التوصل قد تم إلى نتائج مهمة على رأسها الاتفاق على تطوير منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها (وهو مطلب أساسي كي تصبح معبرة عن تفاصيل الخريطة الفلسطينية السياسية الراهنة)، وتحديد موعد متزامن للانتخابات التشريعية والرئاسية بحيث تجرى قبل 25 يناير/كانون الثاني 2010 (وهو ما يعد اختراقاً مهماً للخلاف بين فتح وحماس حول قضية نهاية ولاية الرئيس واستمرار ولاية المجلس التشريعي)، وتشكيل حكومة توافق وطني انتقالية مؤقتة تنتهي ولايتها بانتهاء ولاية المجلس التشريعي، بالإضافة إلى التوافق على عدد الأجهزة الأمنية ومهامها، ووضع ميثاق شرف للمصالحة يعتمد عدم العودة للاقتتال الداخلي.

غير أن النظر فيما أعلن أنه ظل يمثل قضايا خلافية يكشف عن أن الإنجازات السابقة للحوار كافة تبقى بلا أساس؛ ففي مقابل الاتفاق على تطوير منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها، بقي الخلاف حول طبيعة المرجعية القيادية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية التي ستنتهي بوصول هذا التطوير وهذا التفعيل إلى غايته. بعبارة أخرى إذا كان الاتفاق قد تم على أن المنظمة ما عادت تعبر عن الجسد السياسي الفلسطيني بدليل التفاهم حول ضرورة تطويرها؛ فمن المنطقي ألا تبقى بوضعها الحالي مرجعية قيادية للعمل الفلسطيني في المرحلة الانتقالية، وهنا تم الاتفاق على وجود مرجعية تضم قادة كافة الفصائل، لكن الخلاف بقي مستحكماً حول ما إذا كانت هذه المرجعية سوف تحل محل المستويات القيادية في المنظمة كما تريد حماس، أو تعمل في إطار المنظمة دون مساس بشرعية لجنتها التنفيذية كما تريد فتح.

وفي مقابل الاتفاق حول انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة، بقي الخلاف حول تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي، ففيما يتعلق بالتشكيل تريد حماس حكومة وحدة وطنية على غرار ما جاء به اتفاق مكة 2007، فيما تريد فتح حكومة مستقلين بدعوى أن الصيغة التي تفضلها حماس لن تفيد في حلحلة التعامل الدولي مع الحكومة الفلسطينية المقبلة. أما البرنامج فليست حماس مستعدة لأكثر من احترام التعهدات الدولية السابقة، وهي ترى أن هذا البرنامج يفضل ألا يشتمل على أي شيء يتعلق بالتعامل مع إسرائيل أصلاً، طالما أن آفاق المفاوضات محدودة أو مسدودة، فيما ترى فتح ضرورة أن يتضمن برنامج الحكومة التزاماً بالتعهدات الدولية السابقة للسلطة الوطنية الفلسطينية.

أما التوافق على عدد الأجهزة الأمنية ومهامها فقد تضمن نقاطاً إيجابية كمهنية هذه الأجهزة ومسؤوليتها عن حماية سلاح المقاومة، باعتبار أن النضال الفلسطيني ما زال يعيش مرحلة تحرر وطني، ورفض الاعتقال السياسي، وكذلك رفض التنسيق الأمني مع الاحتلال، غير أنه لا يخفى أن الاتفاق على المبادئ سهل، أما وضعها موضع التطبيق دون مشكلات فتكتنفه صعوبات جمة.

وأخيراً فإن الخلاف ظل قائماً حول قانون الانتخابات، وما إذا كان سيأخذ بنظام القائمة النسبية أم بنظام الانتخاب الفردي، وبينما تفضل كافة الفصائل، كما ذكرت التقارير، نظام القائمة النسبية؛ فإن حماس تريد الجمع بين النظامين، وهو خلاف متوقع بالنظر إلى أن الأحزاب الأقوى تستفيد عادة من نظام الانتخاب الفردي أكثر من الأحزاب الأضعف.

وواقع الأمر أن إمعان النظر في الخلافات السابقة يكشف عن أنها تطول كافة القضايا الكبرى في النضال الفلسطيني، ولذلك فإنه من قبيل السذاجة السياسية أن يتصور أحد أننا بحاجة لأيام، طالت أم قصرت، لإنجاز ما تبقى من مهام الحوار، أو أننا بفرض إنجاز هذه المهام لن نواجه مشكلات حقيقية في التطبيق. إن دواعي الحوار معروفة وبديهية، وهي لا تنبثق من توقع حكومة يمينية شديدة التطرف في إسرائيل، فالواقع أن ثمة إجماعاً إسرائيلياً على قضايا لا يختلف عليها أقصى اليمين مع أقصى اليسار، وهو إجماع يشتد تماسكه كلما اقتربنا من القوى السياسية الرئيسية وبعدنا عن القوى الهامشية في الساحة السياسية الإسرائيلية، فالحوار الفلسطيني إذن مطلوب لذاته لإعادة اللحمة إلى حركة التحرر الوطني الفلسطيني بعد الانقسام المروع الذي شهدته في2007 لتكون هذه الحركة أكثر قدرة على مواجهة مشروع استعماري بالغ الشراسة.

غير أن ثمة معضلات حقيقية تعترض نجاح هذا الحوار، وبعض هذه المعضلات التفت إليه حوار القاهرة الأخير وما سبقه من حوارات، وبعضها الآخر لم يلتفت إليه أصلاً؛ من هذا أن علة الانقسام الفلسطيني الراهن ترتبط أساساً باتفاقيات أوسلو، أي بفكرة إقامة سلطة "وطنية" في ظل الاحتلال، وأن الصراع بين القوى السياسية الفلسطينية هو على هذه السلطة، ولو كانت غير موجودة لسقط معظم بنود الخلافات الفلسطينية في الحوار؛ لأن القضية في هذه الحالة سوف تكون مقاومة المحتل وليس الخلاف حول سلطة إدارة الأراضي الفلسطينية في ظل احتلاله، ولذلك فإن مراجعة استراتيجية حركة التحرر الوطني الفلسطينية مراجعة جذرية أمر واجب.

من ناحية أخرى؛ ثمة مؤشرات مقلقة على أن "الفصيل" أصبح يتقدم على "الوطن" في الحوارات الفلسطينية، أي إن الاتفاق على ما يفيد الوطن يجب ألا ينال من المكتسبات التي حصل عليها هذا الفصيل أو ذاك، وهذه مصيبة بكل المعايير. فإذا أضفنا لهذا أن ثمة مؤشرات أخرى على خلافات داخل كل من الفصيلين الكبيرين حول الموقف من الآخر ومن تسوية القضية الفلسطينية أو حلها، وأن نهراً من الدم ربما بات يفصل بينهما، أو على الأقل بين قطاعات مهمة داخل كل منهما، لأدركنا مدى سوء الموقف الذي وصل إليه النضال الفلسطيني، ومدى حاجته إلى تغيير جذري في خريطته قد يبدأ بإصلاح حقيقي داخل كل فصيل.

وأخيراً وليس آخراً، فإن العوامل الخارجية تقف بالمرصاد لنجاح هذا الحوار، فإسرائيل مستمرة في انتهاك أراضي الضفة، والإمعان في أسر القيادات الفلسطينية داخلها، وبصفة خاصة من حركة حماس، الأمر الذي يؤدي دون شك دوراً تخريبياً في الحوار، والإدارة الأمريكية ومن ورائها الرباعية الدولية والقوى الدولية المؤيدة لإسرائيل كافة تصر على أن تلتزم أية حكومة فلسطينية قادمة بالاعتراف بإسرائيل والتعهدات الدولية السابقة ونبذ العنف فيما ترفض حماس بوضوح هذه الشروط.

يستمر سيزيف وفقاً للأسطورة في دفع الصخرة إلى أعلى الجبل، سواء أكان سيزيف هذا هو العاهل السعودي أو الرئيس اليمني أو مدير المخابرات العامة المصرية، غير أن المعضلات السابقة تتكفل بدفعها إلى أسفل من جديد، وما لم تحل هذه المعضلات فإن الدوران في الحلقة المفرغة للحوارات الفلسطينية سوف يبقى السمة الأساسية لجهود تحقيق وفاق وطني فلسطيني يوفر قاعدة قوية لنضال فاعل من أجل تحقيق الغايات الوطنية لشعب فلسطين.   

Share