الحكومة اللبنانية وتحدي المحكمة الدولية

  • 12 يوليو 2011

في أواخر كانون الثاني (يناير) 2011 جرى إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري في لبنان. وقد شكل ذلك إخفاقاً لمساع سعودية– سورية لحل أزمة بدأت منتصف حزيران (يونيو) 2010 بين القوى السياسية اللبنانية بعد ذيوع تسريبات تفيد بأن التحقيق الدولي في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري توصل إلى تورط عناصر من "حزب الله" في الجريمة، وهو ما رفضه الحزب ودخل في حرب على المحكمة الدولية لإسقاط صدقيتها، وعلى الحكومة مهدداً بـ "انقلاب" سياسي.

ولما كانت أي حكومة لبنانية لا تستطيع إلغاء هذه المحكمة، التي أنشأها مجلس الأمن الدولي وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فقد تركزت المعالجة العربية للأزمة على الممكن، وهو محاولة إيجاد مناخ داخلي يستبق صدور القرار الاتهامي، ويكون مؤهلاً لامتصاص تداعياته السلبية. وارتسمت معالم "صفقة" تقوم على قبول سعد الحريري بتنازلٍ ما فيما يتعلق بالعلاقة مع المحكمة الدولية، مقابل قبول "حزب الله" بإجراءات محددة تعزز سلطة الدولة وتفعّل العمل الحكومي الذي كانت الأزمة قد شلّته.

لم تتم التسوية؛ لأن "حزب الله" وكذلك سورية كانا يتوقعان أن تضع السعودية ثقلها وتستخدم علاقاتها لتحقيق هدف لا يقلّ عن وقف عمل المحكمة، أوعلى الأقل سحب الاتهامات المزمعة ضد عناصر "حزب الله". وما إن تأكد الإخفاق حتى كانت الخطة جاهزة؛ إذ تمكنت سورية من تغيير الغالبية في البرلمان وجعلها لمصلحة حلفائها ("حزب الله" وحركة "أمل" وتيار ميشال عون)، وذلك بالضغط على وليد جنبلاط، الحليف الرئيسي للحريري ونواب آخرين كانوا ترشحوا على قوائمه في انتخابات 2009 فخرجوا من الأكثرية التي كان يتمتع بها، فانتقلت إلى الفريق الآخر الذي ما لبث أن سمّى نجيب ميقاتي لترؤس الحكومة التالية.

تطلب الأمر نحو خمسة شهور كي تولد الحكومة الجديدة. أولاً؛ لأن سورية حاولت استدراج أطراف أخرى، مثل السعودية أو تركيا وقطر، لمشاركتها الوصاية على حكومة ميقاتي. وثانياً؛ لأن الانتفاضات الشعبية أشاعت انطباعاً بأن تغييراً سيحصل في البيئة الإقليمية فارتأى السوريون التريث. وثالثاً؛ لأن سورية نفسها غرقت شيئاً فشيئاً في أزمة داخلية فرضت عليها تأجيل النظر في الشأن اللبناني. ورابعاً؛ لأن خلافات كثيرة برزت بين حلفاء سورية أنفسهم بشأن تركيبة الحكومة ما استلزم وقتاً لمعالجتها. وأخيراً؛ لأن المحكمة الدولية لم تكن جاهزة لإصدار قرارها الاتهامي… لكن عندما تكاثرت المعلومات، منتصف يونيو، عن صدور وشيك لهذا القرار، بدأ ما يشبه السباق فأُزيلت كل العوائق لاستيلاد الحكومة التي وجدت نفسها حتى قبل نيل ثقة البرلمان أمام تحدي المحكمة الدولية. ويوم كانت مجتمعة لإقرار الصيغة النهائية لبيانها الوزاري أصدرت المحكمة مذكرات توقيف في حق أربعة من القادة الأمنيين والعسكريين في "حزب الله".

وُصفت هذه الحكومة بـ "الانسجام السياسي"، ولعل ما يجمع بين أطرافها هو ارتباطهم بسورية، وإن كان متفاوتاً بدرجاته. وعلى الرغم من ذلك برزت بعض الصعوبات في الاتفاق على صوغ البند المتعلق بالمحكمة الدولية الخاصة بالاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان بدءاً من اغتيال الحريري ورفاقه. فهذا البند يفترض أن يحدد السياسة التي ستتبعها الحكومة حيال هذه المحكمة، لكنه جاء غامضاً ومفتوحاً على كل الاحتمالات بقوله إن الحكومة ستتابع مسار المحكمة التي "أُنشئت مبدئياً لإحقاق الحق والعدالة بعيداً عن أي تسييس أو انتقام، وبما لا ينعكس سلباً على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الأهلي". وتنطوي هذه الصيغة على تقييم أولي سلبي لعمل المحكمة بأنه مسيّس وله أهداف مبيّتة، كما تشير إلى أن التعامل معها سيخضع لمعايير الاستقرار الداخلي، في حين أن المعيار الوحيد الذي يتوقعه المجتمع الدولي هو المبادرة إلى التعاون مع المحكمة (بموجب العقد المبرم بينها وبين الدولة ممثلة بالحكومة السابقة أواخر 2006)، وتنفيذ التوقيفات المطلوبة تسهيلاً للبدء بالمحاكمات.

لكن الجواب الذي أعطاه الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله، في خطاب متلفز، كان حاسماً بأنه لن يسلم المطلوبين، ولن يمكن العثور عليهم واعتقالهم لا في المهلة القانونية (30 يوماً) "ولا بعد 300 سنة". واتضح عملياً أن القرار عند  نصرالله وليس عند الحكومة، وفي ذلك إساءة الى هيبتها ومصداقيتها. لذلك لا يصعب تصوّر مواقفها المقبلة، فملف المحكمة سيتحكم به ثنائي سورية– "حزب الله" (وإيران)، وهو يرفض المحكمة، ويريد فك ارتباط لبنان بها عبر سحب القضاة اللبنانيين من عضويتها (وهذا إجراء سيكون تحت المراقبة)، والإحجام عن المشاركة في تمويل نشاطها (سيكون موضع اختبار في مشروع الموازنة لكن المرجح أنه سينفذ)، وعدم تقديم أي تسهيلات معلوماتية قد تطلبها (وهو قد بدأ فعلاً حتى قبل تسلم الحكومة الجديدة، ومن جانب عدد من الوزراء في الحكومة السابقة). أما وقد صدر القرار الاتهامي وسيعرف مضمونه مع بدء المحاكمات الغيابية على الأرجح، فإن المواقف الخارجية ستكون أكثر تشدداً مع الحكومة.

وعلى الرغم من أن الأوضاع الداخلية للبلاد، خصوصاً الاقتصادية والمعيشية، تتطلب نشاطاً كبيراً وفاعلية مضاعفة لأي حكومة جديدة، فإن ملف المحكمة الدولية سينعكس سلباً عليها، سواء بالضغوط الخارجية التي قد تركز خصوصاً على الوضع المالي والاقتصادي، أو بالحملات التي ستقوم بها المعارضة التي ترى في المحكمة الدولية سلاحها الأول والأخير، ليس لإظهار الحقيقة في الاغتيالات فحسب، لكن أيضاً لاستكمال معركة التخلص من التسلط السوري، ومن تعاظم سطوة سلاح "حزب الله" على الحياة السياسية. أي إن حكومة ميقاتي ستكون أمام مواجهتين حادتين، وسيحتاج رئيسها في معالجته للصعوبات الآتية الى حنكة ومرونة من جانب حلفائه في الحكم، لكن هؤلاء لا يبدون أي مساومة في رفضهم التعامل مع المحكمة.

في مطلع آب (أغسطس) المقبل ستكون الحكومة اللبنانية مضطرة لتقديم رد رسمي على طلب تنفيذ مذكرات التوقيف. كيف وبماذا ستردّ؟ عليها أن تبرر استحالة التنفيذ بأسباب تكون مقبولة من القضاء، الذي سينتقل إلى الإجراءات البديلة التي تمكنه من متابعة عمله بالمحاكمات الغيابية خلال الخريف المقبل، بما تتضمنه من كشف للأدلة وعرض للارتكابات وربما تفسير للدوافع والأهداف، مع ما يعنيه ذلك من تفاعل لبناني داخلي وأيضاً دولي معها. وهنا تبقى التفجرات الداخلية متوقعة حتى لو أمكن احتواؤها. فـ "حزب الله" قد ينفذ انتشاراً أمنياً على سبيل التحذير، والمناوئون له قد يطالبون بمحاسبته أو طرد وزرائه من الحكومة استناداً إلى دوره في الاغتيالات.   

وسط هذا المأزق، الذي ما يزال في بدايته، ليس مستبعداً أن يعاني لبنان وحكومته من تداعيات الوضع المأزوم في سورية. فهذه ستكون أكثر تصلباً حيال المحكمة الدولية، وقد تدفع بلبنان الى مواجهة مع المجتمع الدولي تمهيداً لعرض خدماتها مع علمها بأن تجديد وصايتها على لبنان لم يعد على جدول الأعمال الدولي حتى قبل تفجّر أزمتها الداخلية. وعلى أي حال سيكون لتطور هذه الأزمة تأثيره المباشر على الوضع العام للحكومة اللبنانية، كما أن متاعب هذه الحكومة قد تزيد من متاعب دمشق.

Share