الحكم في قضية اغتيال الحريري.. هل حزب الله بريء من الجريمة؟

بعد 15 عاماً من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وعقب محاكمة دامت ستة أعوام، أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حكمها في القضية، ودانت فيه واحداً فقط من أربعة متهمين، جميعهم ينتمون إلى ميليشيا حزب الله،إحدى أذرع إيران وأدواتها في العالم العربي، لتسدل بذلك الستار على واحدة من أكثر قضايا الإرهاب السياسي تعقيداً وإثارة للجدل على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الحكم الذي جاء بعد 415 جلسة عقدتها المحكمة واستمعت فيها إلى إفادات 290 شاهداً واطلعت على 3131 بيّنة، شكّل مفاجأة للمتابعين وصدمة لتيار المستقبل اللبناني الذي أسسه الحريري، لأنه برأ قيادات حزب الله وحليفه النظام السوري واستبعد بشكل تام أي صلة لهم بالواقعة، وحمّل المسؤولية كاملة لفرد واحد، على الرغم من أن أصابع الاتهام كافة كانت موجهة إلى الحزب الذي يتصرف في لبنان على أنه فوق الدولة والقانون، ويعمل على فرض أجندته على سياسات البلد الداخلية والخارجية، وخصوصاً أنّ الراحل، ومن ورائه التيار، كان يشكّل العقبة الأساسية التي تعوق مخططاته، وتقف حجر عثرة أمام تمكُّنه من إحكام سيطرته على المشهد اللبناني برمته، ومن ثمّ تحويله إلى جزء من الحديقة الخلفية لنظام الولي الفقيه الحاكم في طهران.

وبالعودة إلى حيثيات عملية الاغتيال فقد أشارت ملفات القضية إلى أنها نُفذت بتخطيط محكم، واستُخدمت فيها كمية تزيد على طنين من مادة «تني إن تي» الشديدة الانفجار، وأودت بحياة الحريري و21 شخصاً آخرين، فضلاً عن جرح 226 شخصاً، وسبقتها بنحو أسبوعين تحذيرات للحريري ودعوات له لتوخي الحذر جاءت من قبل كل من الرئيس الفرنسي جاك شيراك، ومبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن، وسبق هذه العملية محاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة، صديق الحريري المقرب، ولا شك أن هذه أمور لا يستطيع شخص بمفرده أو مجموعة محدودة أياً كانت قدراتها وإمكاناتها تنظيمها والترتيب لها وإحكامها من دون أن يكون وراءها عمل منظم، وتخطيط مسبق، ودعم لوجستي وفني تقف وراءه جهات تمتلك قدرات وإمكانات ضخمة.

وفي الوقت الذي ينفي فيه حزب الله ضلوعه في الجريمة أو أي مسؤولية له عنها فإن المُدان من قبل المحكمة الدولية وهو سليم عياش الذي أجمع القضاة على أنه مذنب بما لا يرقى إليه الشك بصفته شريكاً في اغتيال الحريري ورفاقه، وكذلك المتهمون الثلاثة الآخرون وهم حبيب مرعي، وحسين عنيسي، وأسعد صبرا، الذين تمّت تبرئتهم لم يمْثلوا مطلقاً أمام المحكمة ولم يدلوا بإفادات أو شهادات أمام أي جهة ذات علاقة بها، ولم يتمّ التعامل معهم كما يتم التعامل مع المشتبه بهم، إذ إنهم لا يزالون جميعاً طلقاء في حماية الحزب الذي أعلن أمينه العام حسن نصر الله منذ بدايات التحقيق في الحادثة رفضه المحكمة الدولية وكل ما يصدر عنها، وأكد أنه لن يسلّم أياً من المطلوبين، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بالتهديد بمواجهة أي محاولة لملاحقة أي من هؤلاء الأربعة.

ردّ فعل سعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق، ونجل رفيق الحريري، عقب النطق بالحكم جاء على شكل قبول ممزوج بنوع من الإحباط، عندما أعلن باسم عائلته وعائلات ضحايا حادثة الاغتيال قبول حكم المحكمة، وطالب في الوقت نفسه بتنفيذ العدالة من خلال تسليم المجرمين مؤكداً أنه لا تنازل عن حقّ الدم، داعياً حزب الله، الذي أصبح واضحاً أن شبكة التنفيذ من صفوفه، إلى التضحية في سبيل العدالة ورفع الحماية عن المتهمين الذين يعتقدون أن يد العدالة لن تطالهم ولن تنفّذ القصاص فيهم.

ينظر المراقبون والمتابعون للشأن اللبناني إلى حكم المحكمة القابل للاستئناف خلال مهلة مدتها عام واحد، على أنه انتصار لحزب الله الذي بُرئت ساحته تماماً وأخليت مسؤوليته تجاه الواقعة، وانتكاسة لتيار المستقبل، الذي كان يعول على إدانة عدد أكبر من المتهمين، أو إدانة حزب الله بمجمله كقوة سياسية، ومن ورائه النظام السوري، غير أن الرياح جرت على غير ما يشتهي ويتوقع، وهي نتيجة ستكون لها بلا شك انعكاساتها على الساحة السياسية في لبنان وعلى التعاون بين فرقائها قد تغير كثيراً في شكل خارطة التحالفات السياسية، وهي انعكاسات ربما تتضح أكثر بعد أن يفيق هذا البلد من صدمة انفجار مرفأ بيروت الكارثي الذي وقع في الرابع من أغسطس الجاري، والذي تحوم شبهات التسبب به حول «الحزب» الذي كان يسيطر عليه ويستخدمه لتمرير الأسلحة وتخزينها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات