الحشد الشعبي وتهديد سلطة الدولة في العراق

  • 13 يوليو 2020

يحظى موضوع «الحشد الشعبي» باهتمام كبير، بعد أن تحول من هيئة لدعم الدولة في جهودها لمحاربة تنظيم «داعش»، إلى عامل رئيسي في حالة عدم الاستقرار والانفلات الأمني في العراق، وتواجه هذه الهيئة حالياً مشاكل داخلية متنامية لأسباب مختلفة من أهمها نزاع المرجعيات، مع سيطرة الفصائل المرتبطة بإيران على عمليات اتخاذ القرار داخلها، وعلى مواردها؛ وتهميش القوى التي تدين بالولاء للداخل أكثر من الخارج.

تأسست هيئة الحشد الشعبي بقرار من رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الشيعي علي السيستاني في أعقاب سيطرة تنظيم «داعش» الإرهابي على مناطق واسعة في عدد من المحافظات العراقية منتصف عام 2014؛ وتم إقرار قانون الحشد الشعبي من قبل البرلمان في نوفمبر 2016، ليكون بذلك جزءاً من القوات العراقية النظامية، ويتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ وهو رئيس الوزراء.

وقد تكوّن الحشد في البداية من فصائل عدة، ومن مختلف مكونات الشعب العراقي؛ وليس من الشيعة فقط، كما يعتقد الكثيرون؛ فكان يتكون منذ بداية تأسيسه وحتى عام 2018 من 67 فصيلاً شيعياً، و43 فصيلاً سنياً، وتسعة فصائل تتبع الأقليات في مناطق كردستان. وبلغ عدد عناصره مجتمعة 164 ألفاً، منهم 110 آلاف من المكون الشيعي، ونحو 45 ألفاً من المكون السني، و10 آلاف عنصر من مكونات الأقليات، ثم تراجع عدد الفصائل المنضوية تحته، كما انخفض عدد المنتسبين إليه، بعد هزيمة تنظيم داعش؛ حيث انسحبت منه فصائل وعناصر كثيرة، وأصبح تقريباً مقتصراً على المكون الشيعي، حيث ينضوي تحته الآن نحو 67 فصيلاً، ويقدر حجمه ما بين 60 و90 ألف مقاتل، بينما تخطى عدد المتطوعين الـ 3 ملايين شخص.

وتدريجياً، أصبح الحشد الشعبي يشكل معضلة حقيقية؛ فبعد هزيمة تنظيم داعش، لم يعد هناك حاجة إلى وجوده؛ وتعالت الأصوات داخل العراق وخارجه بضرورة حله أو دمجه في الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى. ولكن هذه المهمة لم تكن سهلة؛ بل إن الحشد بدأ يقوى ويتمدد نفوذه، ليس فقط عسكرياً أو أمنياً، وإنما أيضاً سياسياً بحكم ارتباطه بالقوى السياسية؛ حيث يلعب دوراً في اختيار مناصب رئيسية، بما فيها منصب رئيس الوزراء؛ فمن أسباب فشل تشكيل الحكومة في العراق بعد إعلان عادل عبد المهدي استقالته بسبب الاحتجاجات الشعبية على الفساد والنظام الطائفي، هو موقف الحشد الشعبي؛ حيث لم يكن من الممكن تمرير اسم رئيس للوزراء، ما لم يكن هناك تأييداً من إيران عبر الحشد الشعبي. وبالفعل، فقد حصل مصطفى الكاظمي على تأييد القوى الشيعية، وفي مقدمتها فصائل الحشد الشعبي، باستثناء كتائب حزب الله وعدد قليل من الفصائل التي خالفت الإجماع السياسي الشيعي، حتى تمت تسميته رسمياً، وتكليفه بتشكيل الحكومة.

ومع كل ذلك، فإن الحشد الشعبي يعاني مشاكل مهمة، قليلاً ما يتم التركيز عليها، أو ربما لا تحظى بالتغطية الإعلامية اللازمة؛ حيث يوجد صراع قوى داخله؛ وهناك نزاع متنامٍ بين تيارين: الأول، موالٍ للمرشد الأعلى في إيـران علي خامنئي ويعتبر مرجعتيه، ويعرف بالتيار «الولائي»؛ وكان يقوده أبو مهدي المهندس الذي قتل مع قاسم سليماني في هجوم أمريكي مطلع يناير 2020. والثاني، موالٍ للمرجع الأعلى في النجف السيد علي السيستاني؛ وهو مكون من الفصائل المرتبطة بما يسمى «العتبات» في العراق.

وتباين المرجعيات ليس السبب الوحيد للتنازع، فهناك أسباب أخرى مرتبطة بهذه القضية، من أهمها سيطرة التيار الولائي على القرار، وعدم شفافيته في عملية اتخاذها؛ بل وحرمان قيادات الألوية الأخرى غـير المشتركين في القيادة العليا مـن المشـاركة في القرارات الحساسة، ولا حتى السماح لهم بإبـداء آرائهـم حول مسـائل مهمة؛ هذا فضلاً عن التوزيع غير العادل للموارد، حيث يستأثر الولائيون بالنصيب الأكبر.

هذا كله مؤشر إلى أن الحشد يعيش أيضاً أزمات داخلية؛ ويمكن للحكومة العراقية أن تستغل هذا الواقع، في جهودها لتحجيمه؛ حيث يمكن لرئيس الوزراء وهو يتبع له، إعادة هيكلته، وإجباره على العمل في إطار الدولة، والأهم منعه من العمل السياسي والحزبي.

Share