الحسابات الإسرائيلية في المفاوضات غير المباشرة مع السلطة الفلسطينية

  • 13 مايو 2010

بعد نحو سنة ونصف من توقّف المحادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، نجحت الإدارة الأمريكية في إطلاق "محادثات التقارب"، كصيغة توفيقية تشكّل مقدمة -مفترضة- للعودة إلى المفاوضات المباشرة. وقد جاءت هذه الخطوة فور توصل المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى الشرق الأوسط، السيناتور جورج ميتشل، إلى تفاهمات غير مكتوبة مع الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني حول موضوعات خلافية عدة، وخاصة في مسألة الاستيطان.

وتبيّن مجريات الأشهر الماضية أن إسرائيل بذلت جهوداً محمومة لبدء المفاوضات، وبدا أنها تعطي الأولوية لانطلاقها، وما تبقّى تريده أن يستند إلى المحصلة المعروفة للعبة شد الحبل بين الفريقين غير المتكافئين أصلاً.

وقد تمكّن نتنياهو من فرض اعتماد طريقة للأداء التفاوضي تتضمن رفض تشكيل طواقم مفاوضات موسعة، مفضلاً إجراء المحادثات في قنوات سرية وأطر ضيقة، قدر الإمكان، ولهذا الغرض كلّف ممثله المحامي إسحق مولكو بالمهمة، يعاونه مستشار الأمن القومي عوزي آراد، وقام الاثنان بتجهيز ملفات التفاوض بمساعدة فريق من الخبراء والمعنيين؛ حيث ستتم إدارة المحادثات مع ميتشل، وعند الحاجة ستكون هناك محادثات مباشرة بين ميتشل ونتنياهو.

وحسب الآلية التي تتصورها، عُنيت إسرائيل بتحديد جديد لمرجعية الموضوعات التي تتفاوض بشأنها، على نحو لا يتطابق مع المسارات السابقة. واتضح أنه على الرغم من أن "محادثات التقارب" ستتركز بموافقة الطرفين والراعي الأمريكي على سبع قضايا تتعلق بالوضع النهائي، هي؛ الحدود والمستوطنات واللاجئين والقدس والأمن والمياه والأسرى الفلسطينيين، فإن المفاوض الإسرائيلي سيضع مناقشة قضية الترتيبات الأمنية في الضفة الغربية والمياه، في الصدارة، مع تقديره الأولي بأن الفلسطينيين سيطرحون مسألة الحدود في بداية المفاوضات، مستفيدين من مكانة هذه المسألة لدى الراعي الأمريكي، لممارسة ضغط أكبر على إسرائيل.

ومع أنه، حسبما جرى الاتفاق عليه، ستكون المرحلة الأولى من "محادثات التقارب" على شكل جولات مكوكية يقوم بها ميتشل بين الطرفين، بيد أن ميتشل، طبقاً للتسريبات، أوضح أنه لن يكتفي بدور "الساعي" بين الطرفين، وإنما سيطرح أفكاراً في القضايا الخلافية استناداً لمواقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، التي تقوم على "حل الدولتين"، اللتين تعيشان بأمن وسلام، وضمناً قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة على أساس حدود يونيو/حزيران 1967 مع تبادل للأراضي، وحلّ مشكلات التسوية النهائية الأخرى بالاتفاق.

وتتهيأ حكومة نتنياهو لاحتمال يمتلك فرصة كبيرة للتحقق، هو أن ممرّ "محادثات التقارب" قد يفضي إلى طرح مبادرة أمريكية جديدة لتقليص الفجوة مع الفلسطينيين، لن  تختلف كثيراً عن الخطة التي طرحها كلينتون عام 2000، والتي رُفضت فلسطينياً وإسرائيلياً لأسباب متباينة.

هنا تبرز المواقف والاعتبارات الإسرائيلية المتعلقة بموضوعات المحادثات، على مختلف الصّعد الداخلية والخارجية. فلا شك أن الحكومة الإسرائيلية تعي تماماً ماذا تريد؛ ففي ظل سعيها للظهور بصورة الطرف الراغب بالتحرر من عبء السيطرة على الفلسطينيين، يلاحظ أنها تصر على حسم الصراع مع الفلسطينيين، بالحصول على اعترافهم بإسرائيل كدولة يهودية، وبالتخلي عن المطالبة بعودة اللاجئين إلى المجال الإسرائيلي، وباحتفاظها بالقدس الموحدة والكتل الاستيطانية، وبتحكمها التام بالحدود والمعابر، مع وجود أمني إسرائيلي على امتداد غور الأردن، وتنفيذ "حل الدولتين" وفق التوصيفات الإسرائيلية، أي بالموافقة العملية على دولة فلسطينية مجردة من السلاح ومنقوصة السيادة، دون القدس، قد تكون في حدود مؤقتة، لتغدو بمنزلة إعادة إنتاج "محسنة" لمعطيات الجغرافية السياسية والأمن الخاصة بالسلطة الفلسطينية القائمة في الضفة الغربية، مع ترك حل مشكلة قطاع غزة للزمن.

وحول الميزان التفاوضي القائم مع الفلسطينيين، تدرك إسرائيل واقع الضعف لدى السلطة الفلسطينية، في ظل الافتقار إلى مقومات القدرة الذاتية، وسيطرة الاحتلال والحصار والانقسام بين الضفة وغزة، وغياب الدعم الخارجي الفعال. لهذا لن تتردد حكومة نتنياهو في التفكير بأن ما تريده من السلطة الفلسطينية -عملياً- هو أن تكون مجرد ممثل ينفّذ الإملاءات التي يتلقاها على المسرح التفاوضي، مع إظهارها -نظرياً- كطرف متكافئ اعتبارياً مع الطرف الإسرائيلي، تبعاً لمقتضيات الترويج للحل الذي سيتم فرضه. وهو ما يعني أن السلوك الإسرائيلي المتغطرس سيجعل "علاقات القوى" هي المعادلة التي يُراد لها أن تحكم نتيجة المفاوضات، بما يحسم النقاش حول الموضوعات التي طُرحت منذ بدء "عملية أوسلو" أوائل التسعينيات وحتى الآن.

ويقدّر الإسرائيليون أن اعتماد سلسلة أخرى من المناورات حيال الفلسطينيين، سيفتح الباب أمام إمكانية توظيف المسيرة السياسية معهم في منحى تخفيف الضغوط الدولية الموجهة إلى إسرائيل. وفي حال إخفاق المساعي الإسرائيلية في فرض حل قسري على الفلسطينيين، وهو ما سيحدث على الأرجح، من المؤكد أن إسرائيل ستركز على إظهار السلطة الفلسطينية بأنها "عاجزة عن الالتزام بدورها في أي اتفاق يتم التوصل إليه معها، وأن رئيسها محمود عباس غير قادر على تقديم ما هو مطلوب منه" (وفق تصريح حديث لرئيس الكنيست رؤوفين ريفلين)، وأن كل ما تريده هذه السلطة من العودة إلى المفاوضات هو تعرية التوجه الحقيقي لحكومة نتنياهو، كرافضة للسلام مع الفلسطينيين والعرب.

على الصعيد الأمريكي، بوجه خاص، تتوقع حكومة نتنياهو أن يسهم استئناف المفاوضات في إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة إلى سابق عهدها، وأن يسقط الكثير من التهديدات والتلميحات الأمريكية التي أسمعت في الأشهر الأخيرة، وأن يتم تجاوز تبعات "حادثة بايدن ورمات شلومو"، في اتجاه إحداث شراكة مستقرة مع إدارة أوباما لمواجهة التحدي الإيراني. لهذا ستحاول حكومة نتنياهو استمالة "القاضي" وإرضاءه بدلاً من التقدم بخطوات وطروحات جدية لحل عادل للقضية. وبالمقابل، من المفترض أن تتصرف إدارة أوباما إزاء ذلك وفق معاييرها الخاصة، وأن تقوم بممارسة ضغط حقيقي على الحكومة الإسرائيلية، لتكف عن "أسلوب الحاوي" الذي يشتهر به نتنياهو.

وفي الشأن الداخلي الإسرائيلي، تسعى حكومة نتنياهو إلى طمأنة جميع الأطراف بعدم تقديم تنازلات حول جوهر التسوية، وهو ما يعطي هذه الحكومة فرصة أخرى للاستمرار. وقد كان هذا الأمر حاضراً خلال التفاهم مع أحزاب الائتلاف اليميني الحاكم الذي لم يبد اعتراضات تذكر على قرار الحكومة بالذهاب إلى محادثات التقارب مع السلطة الفلسطينية. لكن من المقدر أن تظهر اعتراضات حزب "العمل" على مناورات نتنياهو العقيمة، خاصة بعد تصريحات وزراء الحزب الأخيرة، التي برز فيها تيار قوي يدعو إلى استقالة حزب "العمل" من الحكومة أو أن يعمل لتغيير الائتلاف وإدخال حزب "كديما" إلى الحكومة، في حال عدم حدوث تحرك سياسي جدي بسبب مراوغة نتنياهو.

وحول آفاق "محادثات التقارب"، وطالما أن إسرائيل هي الطرف الأقوى في تحريك الدفة وتوجيه المركب، فمن المرجّح أن تنكشف حكومة نتنياهو أمام العالم بأنها غير مستعدة لتسوية دائمة تلبي المطالب الفلسطينية، وفي الوقت ذاته، افتضاح استراتيجية هذه الحكومة في استنزاف الخصم الفلسطيني، بحرمانه من معظم عوامل قدرته على المواجهة والرفض، مع مواصلة اتهامه بالتهمة ذاتها الملتصقة بإسرائيل، وهي؛ "العجز عن توفير مستلزمات عملية السلام".

.. إنها لعبة، لا يديرها نتنياهو بخصوص الحل، بل لنفي التهمة عن إسرائيل كرافض للحل، ومحاولة تقديم المطالب الفلسطينية على أنها شروط تعجيزية تعصف تلبيتها بمستقبل إسرائيل كدولة يهودية. وبالتالي تفضّل إسرائيل البقاء في موقعها الحصين الذي تمتلك فيه مختلف أشكال القوى الذاتية والتحالفية، على أمل دفع الفلسطينيين لليأس من إمكانية تغيير الواقع، وبقاء إسرائيل القوة الأولى المقررة.. ومن الواضح أن ما سيترتب على هذا يتلخص بترحيل المشكلات وحلولها إلى المستقبل.

Share