الحسابات الإسرائيلية في الحملة على قطاع غزة

إبراهيم عبدالكريم: الحسابات الإسرائيلية في الحملة على قطاع غزة

  • 7 يناير 2009

تمضي إسرائيل بحربها على قطاع غزة، المسماة حملة "الرصاص المتدفق"، وسط مواصلة الجيش الإسرائيلي عملياته البرية في القطاع، مع تشديد المسؤولين الإسرائيليين على أن هذه الحملة لن تنتهي قبل أن تتحقق أهدافها.

وحين يتحرى المحللون طبيعة هذه الأهداف، يتضح من الصياغات الإسرائيلية المتعلقة بها، أنها تنطوي على مقولات عامة، مثل؛ "تغيير الوضع الأمني في الجنوب"، و"تغيير قواعد اللعبة"، و"حمل حماس على وقف إطلاق الصواريخ"، و"تحطيم إرادة حماس على مواصلة القتال". ويبّين تقصي مختلف مكونات تلك الصياغات، أنها تشكل غطاء للتوجهات الاستراتيجية التقليدية لإسرائيل إزاء البنية المقاومة في قطاع غزة.

وطبقاً لما تسرب عن الخطط العسكرية الإسرائيلية، ولما نفّذ منها، تتضمن هذه التوجهات اعتماد ثلاث مراحل: الأولى؛ القصف الجوي المكثف، والثانية؛ إدخال حالة "الصدمة والرعب" في أوساط فصائل المقاومة وإلحاق أضرار جسيمة بها، والثالثة؛ التوغل البري في قطاع غزة والسيطرة على مناطق إطلاق الصواريخ.

وخلال هذه المراحل، تصر إسرائيل على جباية "ثمن باهظ" من قوة "حماس" العسكرية، بحيث يقاس هذا الثمن أساساً بعدد قتلى "حماس" وقياداتها العسكرية، وتدمير مخازن الذخيرة، والمرابض والتحصينات، وليس فقط بمساحة الأرض التي سيحتلها الجيش الإسرائيلي، فالسيطرة على مناطق إطلاق الصواريخ قد تدفع بفصائل المقاومة لإطلاق صواريخها من عمق القطاع.

ولدى متابعة تفصيلات المحاولات والجهود الدولية والإقليمية المبذولة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار يظهر لنا بوضوح حقيقة الأهداف الإسرائيلية؛ حيث تشدد إسرائيل على خمسة شروط، هي: الوقف التام لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة نحو إسرائيل، ووقف عمليات تهريب السلاح والوسائل القتالية إلى القطاع، وعدم فتح المعابر إلا برقابة السلطة الفلسطينية وقوات الرئاسة التابعة لمحمود عباس، ووقف تعاظم قوة "حماس" كما جرى أثناء التهدئة الأخيرة، وإقامة آلية دولية تشرف وتتأكد من أن "حماس" تفي بالفعل بهذه الشروط.

وانسجاماً مع هذه الوحدة الظاهرية للشروط المذكورة، تحدثت تقارير إسرائيلية عن تباينات طفيفة في المجلس الوزاري بشأن الخطوة السياسية التي ستؤدي إلى إنهاء الحرب؛ فوزيرة الخارجية تسيبي ليفني والنائب الأول لرئيس الوزراء حاييم رامون، يعتقدان أنه لا ينبغي إجراء أي حوار أو اتفاق مع "حماس"؛ لأن هذا الحوار يعطيها الشرعية، والبديل هو فرض شروط إسرائيل عليها، انسجاماً مع هدف استراتيجي بعيد المدى يتلخص بإلغاء حكم "حماس" ومساعدة "المعتدلين" في السيطرة على القطاع. بينما يؤيد رئيس الحكومة إيهود أولمرت ووزير الدفاع إيهود باراك إنهاء الحرب في إطار "تهدئة" أو اتفاق جديد يتم برعاية إقليمية ودولية، وبشروط محسنة.

ويجمع أصحاب القرار في القيادة السياسية-الأمنية الإسرائيلية على أن "الحسم" في المواجهة الحالية مع "حماس" يلزم الجيش الإسرائيلي بالبقاء في قطاع غزة لفترة محدودة. وتعتقد هيئة الأركان أنه مطلوب ممارسة مزيد من الضغط العسكري على "حماس" كي يكون ممكناً التوصل إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار، بشروط أكثر راحة لإسرائيل. ويوصي الجيش بالمقابل بإعداد خطة الخروج السياسية من الحملة وبلورة صيغة لوقف النار تحقق هذا الهدف.

وحول الأبعاد الداخلية الإسرائيلية لهذه الحرب، يدرك الإسرائيليون أن صمودهم في الجبهة الداخلية، والوحدة بين مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي وقواه وفعالياته السياسية والحزبية، هما عاملان مهمان في تحديد نتيجة الحرب. ولهذه الغاية يتم الحديث دوماً عن "عدالة" هذه العملية العسكرية، مقابل عدوانية "حماس" وعبثية الصواريخ التي تطلقها على إسرائيل. ولوحظ أنه منذ بداية الحملة الجديدة على قطاع غزة ساد إجماع شبه تام في الساحة السياسية الإسرائيلية حول أهداف العملية وضرورتها، ووجد قرار الحكومة الخروج في معركة ضد "حماس" مساندة من اليمين والوسط واليسار. بينما كانت هناك فئات هامشية رأت أن "العنف الإسرائيلي المفرط" ضد المدنيين الفلسطينيين يلحق الضرر بإسرائيل على الساحة الدولية، ويقتل أحلام السلام بين الشعبين.

 وفي سبيل الحفاظ على حالة الإجماع والاقتناع بجدوى هذه الحرب على الساحة الإسرائيلية، اهتم الجيش الإسرائيلي بتأمين ما يسمى "صورة نصر"، أي صورة تتضمن القضاء على قيادات "حماس" وكوادرها العسكرية، وهم بملابس الميدان. وفي الوقت ذاته عني المقررون الكبار في شن الحرب باستخدامها كرافعة لتحسين مكانتهم الشعبية. وبالفعل، بينّت استطلاعات الرأي العام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في شعبية ليفني وحزب كديما، كما تعززت مكانة حزب "العمل" برئاسة وزير الدفاع إيهود باراك بشكل كبير على خلفية هذه الحرب.

وحول النتائج المتوقعة من هذه الحملة، كان واضحاً منذ البداية أن هناك احتمالين يمكن أن تفضي إليهما، أحدهما؛ تمكّن إسرائيل من كسر العمود الفقري لفصائل المقاومة، وإعادة قطاع غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، إما مباشرة، أو بوساطة قوة دولية أو عربية، على الرغم من الشكوك التي تكتنف موافقة السلطة على ذلك. والثاني؛ التوصل إلى هدنة جديدة مع "حماس" بإشراف إقليمي أو دولي أو بكليهما معاً. والانطلاق بعد ذلك لاستخدام نتيجة الحملة العسكرية كخشبة قفز نحو تسوية سياسية.

ولدى وضع الأهداف التي قد تحققها إسرائيل في ميزان الاحتمالات، يذهب كثيرون إلى أن إسرائيل ستخفق في إنجاز الهدف الاستراتيجي الذي حددته بالقضاء على "حماس"، وأنها إذا استمرت باحتلال مناطق القطاع، فستغرق في وحل غزة، على الطريقة التي غرقت بها في وحل الجنوب اللبناني، وأن تكرار حالة دمار الضاحية الجنوبية لبيروت لن تكون له مرتسمات كبيرة بمصطلحات الحسم الاستراتيجي.

لكن، بالمقابل، حين يؤخذ بنظر الاعتبار الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الحرب، وعجز الوساطات والجهود المختلفة عن لجمها في هذه المرحلة، من المرجح أن تنجح إسرائيل في إيجاد واقع جديد سيسهم في التضييق على فعالية فصائل المقاومة، ليس فقط باحتلال مواقعها المحيطية المتقدمة، وإنما أيضاً بالسيطرة على المنطقة الحدودية بين قطاع غزة ومصر(محور فيلادلفيا) واتخاذ إجراءات لوجستية لتدمير الأنفاق ومنع عمليات تهريب الوسائل القتالية إلى القطاع. وبصرف النظر عن طبيعة الترتيبات الجديدة التي ستعقب التحركات العربية والدولية الراهنة، من الواضح أن المواجهة بين إسرائيل والمقاومة ستدخل في سياق مرحلة جديدة من الصعب تحديد ملامحها حالياً.

Share