الحروب التجارية على التكنولوجيا الرقمية وأثرها في تشكيل المستقبل

  • 31 يوليو 2019

لم يتأخر كثيراً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توجيه الانتقاد إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب توقيع الأخير قانوناً يتيح لفرنسا فرض ضرائب رقمية على عمالقة شركات التكنولوجيا في العالم، وهم في جلّهم من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وعد الرئيس الأمريكي بتغريدة له على تويتر، في 26 يوليو 2019، باتخاذ إجراءات ضد واردات البلد الأوروبي، واصفاً تصرف الرئيس الفرنسي «بالحماقة»، ومشدداً في الوقت نفسه على أن «النبيذ الأمريكي أفضل من نظيره الفرنسي».
وعلى الرغم من عدم وضوح ما قصده الرئيس ترامب بالإجراءات، فإنها قد تندرج تحت الإطار القانوني نفسه الذي تستخدمه الولايات المتحدة في حربها التجارية مع الصين تحت بنود الممارسات التجارية غير العادلة. يذكر أن واردات الولايات المتحدة من فرنسا وصلت إلى نحو 52 مليار دولار أمريكي في عام 2018، بحسب بيانات وزارة التجارة الأمريكية، منها ما يقرب من 5 مليارات دولار مشروبات كحولية.
أما القانون الذي أقرّه المجلس التشريعي الفرنسي فيقر ضريبة رقمية نسبتها 3% على شركات التكنولوجيا التي تتجاوز عائداتها السنوية 750 مليون يورو عالمياً، على أن يكون 25 مليون يورو منها في فرنسا. وتستهدف هذه الضريبة أساساً الشركات التي تشغّل أسواقاً رقمية أو تستخدم بيانات المستخدمين في سوق إعلانات الإنترنت. ولذا فإن هذه الضريبة سوف تؤثر في نحو 30 شركة، من ضمنها، آبل وفيسبوك وأمازون وألفابت؛ الشركة الأم لغوغل، وشركات أخرى من ألمانيا والمملكة المتحدة وإسبانيا والصين، وشركة فرنسية واحدة هي منصة الإعلانات الرقمية كريتيو (Criteo).
وتقر فرنسا بأن الدافع لفرض هذه الضريبة يعود إلى عدم تمكّنها من الحصول على إجماع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لفرض ضريبة رقمية موحدة بنهاية عام 2018. لكنها قالت إنها ستوقف فرض الضريبة الأحادية الجانب حال التوصل إلى اتفاق أوروبي حول آليات توزيع العائدات من أرباح شركات التكنولوجيا بشكل منصف لكل دولة وبشكل متوافق مع الضرائب الأخرى.
حدة التوترات التجارية عبر الأطلسي مرتفعة بالفعل، وستزداد حدّة في المستقبل، لأن الضريبة الفرنسية هي الأولى ضمن سلسلة الضرائب الوطنية على التكنولوجيات والخدمات الرقمية التي تجري مناقشتها في أوروبا، لكنها لن تكون الأخيرة؛ فالمملكة المتحدة اتخذت خطوة مشابهة بنشرها يوم 25 يوليو 2019 مشروع قانون يقترح ضريبة بمقدار 2% على منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والأسواق الالكترونية التي تتجاوز إيراداتها السنوية أكثر من 500 مليون جنيه إسترليني عالمياً، منها 25 مليون جنيه إسترليني من مستخدمي المملكة المتحدة. وقد تبدأ في تطبيق الضريبة مطلع إبريل 2020، بشرط ألا يزيد ذلك من جدل خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، كما وعدت بالتخلي عنها حال التوصل إلى اتفاق دولي بشأن الضرائب. ولذا من المرجح أن يحصل المشروع على موافقة البرلمان البريطاني بالرغم من التهديدات المحتملة والمتوقعة من الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة كانت صريحة في دعوتها بحث قواعد تجارية جديدة تركز على الاقتصاد الرقمي الكلي للدولة، وليس على شركات التكنولوجيا، بينما أكدت الدول الأوروبية أهمية الحصول على إيرادات ضريبية من كل شركة تحقق أرباحاً كبيرة في أسواقها.
شركات التكنولوجيا الأمريكية أعربت عن قلقها الواضح من فرض ضرائب عليها من كل بلد أوروبي على حدة، وهو ما يزيد من احتمالية قيام حكومة الولايات المتحدة بإجراءات ضد دولة أوروبية ما دون استشارتها، ما سيؤثر بشكل كبير في استراتيجيات أعمالها في تلك الدولة.
في عصرنا الذي تتجاوز فيه شركات التكنولوجيا الرقمية الحدود السياسية، فإن حكومات الدول الأوروبية كانت تشعر بالإحباط في عجزها عن فرض حقوقها التجارية على هذه الشركات التي تنشط ضمن حدودها، وفي الوقت الذي بدأت فيه الدول الأوروبية تصعيد خطواتها نحو فرض ضرائب وطنية على شركات التكنولوجيا العالمية، والتي سيكون أكبر أثر لها على الشركات الأمريكية، فإن نذر أكثر من حرب تجارية تلوح في الأفق بين الدول والولايات المتحدة وبشكل قد يؤدي إلى إعادة تشكيل بعض التحالفات التقليدية في السياسة الدولية.

Share