الحرب العالمية الرابعة

د. باسكال بونيفاس: الحرب العالمية الرابعة

  • 18 أبريل 2005

يرى المحافظون الجدد أن العالم يمر بمرحلة تاريخية جديدة تتمثل في "الحرب ضد الإرهاب"، التي يعتبرونها الحرب العالمية الرابعة، بعد الحرب الباردة التي تعد ثالثة الحروب الكونية. واستناداً إلى ذلك، فإن الحرب العالمية الرابعة تتعلق بالإرهاب أو الإسلام الراديكالي، وهما العبارتان اللتان تستعملان كثيراً من دون أي تمييز بينهما. وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد عادت مجدداً إلى "دورها التاريخي في خدمة الحرية والديمقراطية"، لتجد تلك الإمبراطورية نفسها مقحمة في مواجهة حاسمة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.

 لقد كانت أحداث 11 سبتمبر/أيلول نقطة البداية في استعمال عبارات مثل "الحرب ضد الإرهاب"، التي تعكس، في حقيقة الأمر، الطريقة التي تم بها تصنيف كيان لا تمثله دولة، ولا ينحصر في بقعة جغرافية محددة، كعدو، وكيف أمكن لهذه الحرب أن تحدد غايتها في تحقيق نصر يستحيل تحديد معالمه. إذ إن هذا الكيان المصنف عدواً لا تمثله حكومة ما، فيصبح من الوارد أن تستسلم أو يتم القضاء عليها، كما أنه لا يشغل إقليماً محدداً يمكن اجتياحه. ورغم هذه السمات، فإن الحرب الجديدة وضعت هذا الكيان في مصاف القوى العالمية، مكرسة معركة شاملة ومستمرة ضده.

لقد نشر نورمان بودهوريتز، أحد جهابذة فكر المحافظين الجدد، في سبتمبر/أيلول 2004، في مجلة "كامنتاري" (التعليق)، المطبوعة المفضلة لهذا التيار الفكري، مقالاً مدعماً بالمبررات حول هذه الحرب العالمية الرابعة. ويرى هذا الأخير أننا لن نتمكن من إدراك حقيقة الصراع الذي تخوضه الولايات المتحدة إذا لم نعتبره حرباً عالمية رابعة. ومن أول وهلة، يحذرنا بودهوريتز من أن ذلك ليس سوى بداية حرب طويلة الأمد كان العراق يمثل الساحة الثانية فيها، متوقعاً أن تمتد تلك الحرب إلى ساحات أخرى، في إطار المواجهة ضد الإسلام الراديكالي والإرهاب.

 إن وضع ما يسمى "الحرب ضد الإرهاب" في مصاف الحروب العالمية الأخرى يعطي فرصة واسعة لتبرير الفشل الأمريكي الذريع في العراق. إذ يمكن ببساطة اتهام أولئك الذين يعتبرون أن الولايات المتحدة أخفقت في العراق بافتقادهم "الأفق التاريخي"، استناداً إلى أن واشنطن منيت بهزائم عدة في الحروب العالمية الأخرى قبل أن تحقق الانتصار النهائي.

 وفي هذا الإطار، يوضح بودهوريتز أن الرئيس جورج بوش سطَر منهاجاً جديداً، في الخطاب الذي ألقاه في 20 سبتمبر/أيلول 2001 عقب الهجمات على مركز التجارة العالمي، حدد فيه الوسائل الكفيلة بتحقيق النصر في هذه الحرب. وقد تم تحديد أربع ركائز رئيسة يقوم عليها هذا النصر؛ تتمثل أولاها في التخلي عن النسبية الأخلاقية وتكريس "القيم الأمريكية". وهو الأمر الذي تجسد في الخطاب القائم على ثنائية " الخير والشر"، وما أفضى إليه من سياسة "من ليس معنا فهو ضدنا"، وقد تعرض هذا الخطاب لانتقادات كثيرة، جاء بعضها من الكثير من الأمريكيين، كما نُظر إليه على اعتبار أنه يقود إلى تحجيم الولايات المتحدة الأمريكية وعزلها.

 أما الركيزة الثانية، فتتمثل في تحديد العدو ودوافعه تحديداً واضحاً، إذ تمثل هذا العدو في "الإرهاب الناجم عن القمع السياسي" وليس الإرهاب الناتج عن الظروف الاقتصادية. واستناداً إلى ذلك، فإن استراتيجية "تغيير النظام"، التي تم تطبيقها في العراق، هي السبيل الأمثل لتحقيق هذه الغاية. وتتعلق الركيزة الثالثة بـ "الحق في الوقاية"، وبعبارة أخرى التمكن من الهجوم قبل أن تُهاجم. وهو الأمر الذي جسد وأد مبادئ الحرب الباردة؛ مثل الردع والتصدي. ومع ذلك، يمكننا ملاحظة أن هذا الحق في الوقاية ما هو، في واقع الأمر، سوى الحق في الاعتداء. فإذا كان بإمكان كل من يشعر بأنه مهدد أن يقوم بهجوم يقيه أخطار العدوان المتوقع، فإن ذلك من دون شك سيكون مصدر سعادة للكثيرين. فالأمر، بكل بساطة، يتعلق بالعودة إلى القرن التاسع عشر؛ حيث كانت الحرب وسيلة قانونية ومشروعة للتدخل في العلاقات الدولية، مع أن الإنسانية كرست قسطا من جهودها خلال القرن العشرين، الذي تحملت خلاله أهوال حربين عالميتين، من أجل حظر اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدولية ومنع نشوب الحرب أصلاً.

 وأخيراً، تتمثل الركيزة الرابعة في عدم الاعتراف بإقامة دولة فلسطينية إذا كانت هذه الأخيرة ستتحول "ملجأً للإرهاب"، في الوقت الذي تشن الولايات المتحدة الأمريكية فيه حربها ضد الإرهاب.

 ومن غرائب التاريخ أنه باستثناء المحافظين الجدد ومن تمكنوا من التأثير فيهم، فإن هناك شريحة أخرى من المؤمنين بفرضية الحرب العالمية الرابعة، ألا وهم متعصبو تنظيم القاعدة. إذ يرى ابن لادن أن "اليهود والصليبيين يشنون حرباً عالمية ضد الله". ومن شأن هذا المفهوم أن يكرس نوعاً من التحالف بين الخصمين، ضمن صرح إيديولوجي لا يكون فيه لكل من الفريقين أضمن دعماً من الفريق الخصم ذاته. إن كلاً من ابن لادن وفريق المحافظين الجدد الأمريكيين نعمة للآخر، ذلك أن كل طرف منهما يعزز خطاب الطرف الذي يريد القضاء عليه، كما يهئ الظروف المواتية لتوسيع قاعدة أتباعه.

 وفي هذا السياق، يرى رجل المال جورج سوروس أن الرئيس بوش قد تبنى لعبة الإرهابيين من خلال إعلانه "الحرب ضد الإرهاب". ويؤكد ريتشارد كلارك، المسؤول الأمريكي السابق في مكافحة الإرهاب خلال عهد الرئيس كلينتون وفي بدايات إدارة بوش، فيؤكد المعنى ذاته حين يقول: "لقد قام بوش بتسييس مكافحة الإرهاب من أجل ضمان انتصارات انتخابية". وأما المجلس القومي الأمريكي للاستخبارات، فقد نشر في شهر يناير/كانون الثاني 2005، تقريراً أكد فيه أن حرب العراق قد كرست ميداناً تدريبياً للإرهابيين.

 لكن الضربة القاضية للطرح القائل بأن الحرب على العراق أفادت في مجال مكافحة الإرهاب جاءت من صامويل هانتينغتون شخصياً، حينما صرح إلى صحيفة فرنسية أخيراً بقوله: "لقد عاش المسلمون اجتياح العراق على أنه حرب ضد الإسلام، وكان من المنطقي أن يفرز تصرف الولايات المتحدة على هذا النحو إرهاباً أكثر فأكثر ? لقد تم إقحامنا اليوم في حرب دينية يتحمل مسؤوليتها كل من ابن لادن وجورج بوش".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات