الحرب السورية-الإسرائيلية، قد تقع … لكن بالوكالة

د. بشارة نصار شربل: الحرب السورية-الإسرائيلية، قد تقع ... لكن بالوكالة

  • 20 سبتمبر 2007

سيكون من قبيل المبالغة الاعتقاد بأن يؤدي الاختراق الجوي الإسرائيلي، الذي جرى فوق سورية وقرب حدودها الشمالية مع تركيا، إلى اندلاع حرب سورية-إسرائيلية شاملة، لكن ليس من باب الخيال أن يعتبر ذلك جزءاً من توتر متصاعد بين البلدين يسمح بإعداد مقدمات حرب جديدة تعبر عن خطورة المأزق الراهن في المنطقة والجمود السياسي المرعب الذي تشهده، وتعيد خلط الأوراق فيها.

فلعدة أيام بعد الإعلان السوري عن عملية الاختراق سادت أجواء من الغموض وتكاثرت السيناريوهات عما حدث. فمن نفي لأي قصف، إلى القول إن الطائرات الإسرائيلية ألقت حمولتها الإضافية من الوقود فوق الأراضي السورية، إلى رجحان الاعتقاد بأن أربعة صواريخ ألقيت أصاب أحدها مركزاً عسكرياً يمثل نقطة عبور السلاح الإيراني إلى "حزب الله" اللبناني.

 ورغم ذلك لا يُستبعد أيضاً أن يكون سلاح الجو الإسرائيلي أراد اختبار ممرات آمنة وكشف التسلح الصاروخي الأحدث في الترسانة السورية. أما فرضية أنه كان يتدرب على العبور باتجاه إيران إذا ما اضطرت إسرائيل إلى القيام بعملية نوعية ضد أهداف محددة في الأراضي الإيرانية، فبقيت هي الأخرى فرضية غير ملغاة من الاعتبار.

 الثابت الذي لا جدل فيه، هو أن إسرائيل اخترقت الأجواء السورية، وأنها أرادت بذلك أن تبعث برسالة متعددة المعاني إلى دمشق، فيها على الأقل تحد يختبر أعصاب النظام السوري أكثر مما يستدرج أسلحته.

ولعل أول هذه المعاني يندرج في إطار محاولة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية استعادة الثقة بالنفس بعد صدمة  حرب يوليو/تموز 2006 التي أربكتها وجعلتها تشعر بالهزيمة، سواء لجهة إسقاط أسطورة الجيش الإسرائيلي المنتصر دائماً، أو لجهة انكشاف أن أراضي إسرائيل ومواطنيها يمكن أن يكونوا بسهولة أهدافاً تُقصف وتُدمر ويصيبها الموت. ومن ثم فليس غريباً أن يكون العقل العسكري الإسرائيلي في حاجة إلى جولة عنف جديدة يثبت فيها أنه استفاد من تجربة حرب العام الماضي واستخلص منها النتائج والعبر، وأنه يستطيع أن يستعيد صورة الجيش الظافر والمتفوق والحامي لأمن دولته والقادر على انتزاع سلمها وفق شروطها.

ثاني المعاني هو استراتيجي تعيد فيه تل أبيب التأكيد لدمشق وطهران على السواء أن التكافؤ اللامتماثل ليس رادعاً لإسرائيل ولن يمنعها من تأكيد تفوقها. وهنا يدخل التحدي الإسرائيلي في إطار الابتزاز والمغامرة؛ إذ بات معروفاً أن السلاح النووي الذي تمتلكه الدولة العبرية يمكن أن يجد مقابلاً له هو السلاح الكيماوي والبيولوجي الموجود لدى دمشق والذي يوجد بالطبع في مخازن "الملالي" الإيرانيين. كما بات معروفاً أن التفوق الجوي الإسرائيلي يمكن أن يُعادَل بالصواريخ القريبة والبعيدة المدى التي يمكن أن تطلق عليها من سورية أو إيران أو من منصتها في لبنان المتمثلة في حزب الله أو من غزة؛ حيث لا تتورع حماس أيضاً عن تأدية دور الفرقة المتقدمة في المحور الإيراني-السوري.

ثالث المعاني يصب في إطار التهويل بالقوة في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن مؤتمر في الخريف المقبل لم تُدعَ سورية بعد إليه، وفي الوقت الذي يقترب فيه الملف النووي الإيراني من لحظات حاسمة سواء لجهة التوافق مع واشنطن بواسطة الأوروبيين أو لجهة قطع الأمل نهائياً من إمكان التسوية في هذا الشأن. هكذا قد يخطر للإسرائيليين أن دمشق يمكن أن تلتحق بالمؤتمر من موقع المستضعف، أو قد يخطر للأمريكيين  والإسرائيليين أن إيران يمكن أن تشعر بجدية الخطر المحدق بها إذا لم تتجاوب مع مطالب الغرب في الشأن النووي.

يتفق الخبراء العسكريون على أن إسرائيل اتخذت كل الإجراءات الضرورية التي يُفترض بجيش محترف اتباعها لامتصاص هزيمة 2006، فـقد أقصت ضباطاً وأحالت آخرين إلى التقاعد وعاقبت المقصرين، لكن الخبراء أنفسهم يعتقدون أن إسرائيل ليست جاهزة لخوض حرب جديدة؛ إذ إن استخلاص الدروس لم ينته بعد، وطريقة التدريب الجديدة على حرب العصابات لم تصل إلى خواتيمها، إضافة إلى أن البناء النفسي للجيش وللمشاة على وجه التحديد مازال يحتاج وقتاً يعمل الاختصاصيون في الجيش الإسرائيلي على تقليصه.

وانطلاقا من  ذلك لا يُعتقد أن ظروف نشوب حرب إسرائيلية-سورية صارت جاهزة، لا على المستوى السياسي، ولا على المستوى العسكري، لاسيما إذا كان صحيحاً أن سورية، بعد تجربة "حزب الله" في العام الماضي، لم تعد تراهن أو تغامر بحرب تقليدية مع إسرائيل بل تضع نصب عينيها حرب عصابات مكلفة ومرهقة، وحرب خسائر بشرية لا انتصارات تكنولوجية.

يمكن للكثيرين أن يسخروا من لازمة يرددها المسؤولون السوريون حين يحدث تحد إسرائيلي لسيادة بلدهم وهي أن دمشق لن تُستدرج وتعرف كيف تحدد زمان المعركة ومكانها. هكذا حدث على مر سنين خصوصاً في العام الماضي حين حلق الطيران الإسرائيلي فوق قصر الرئيس "بشار الأسد" أو حين تم قصف موقع فلسطيني في بلدة "عين الصاحب" السورية، لكن هذه المرة قد لا يكون الكلام السوري مجرد استهلاك وتعويض كلامي، بل قد يكون فعلاً نوعاً من ضبط النفس المدروس، ليس لأن سورية تريد الحرب، بل لأنها تحقق أهدافاً غير قليلة في أجواء اللاحرب واللاسلم السائدة، وهي إذ تعتبر الجولان أرضاً محتلة يمكن أن تنتظر سنوات طويلة لاستعادتها، فإنها منشغلة بدورها الإقليمي وبهاجس عدم فقدانه، وبنظامها وبهاجس عدم تعريضه للتقويض. لذلك فإنها تحقق ما تعتبره صموداً عبر بقاء النظام أولاً، وعبر إفشال السياسات الأمريكية ثانياً، وعبر نسج التحالفات الضامنة ثالثاً.

فالنظام رغم خروجه المؤلم من لبنان في أبريل 2005 واشتداد الحملة الأمريكية والأوروبية عليه عبر إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس "رفيق الحريري" لا يزال قوياً في الداخل بل إنه مرتاح إلى وضعه بلا قلق.

كذلك فإن سورية تمكنت من إزعاج واشنطن في العراق وساهمت في منعها من تحقيق أهدافها، وكان لها دور أيضاً في إفشال تحالفات الولايات المتحدة مع سلطة "محمود عباس" ولا تزال تؤدي دوراً رئيسياً في محاولات قلب مسار التغيير الذي دشنته "ثورة الأرز" في لبنان.

أما تحالفها مع إيران، فبقدر ما يعتقد البعض أنه أضعف موقعها العربي وجعلها على خصام ولو متفاوتاً مع حليفتيها مصر والسعودية، فإنه شكل لها ضمانة ليست بالقليلة خصوصاً أن خيارها هو المواجهة حتى النهاية وليس الموافقة على الشروط الأمريكية التي تبدأ من طلب تغيير سلوك النظام وصولاً إلى تغيير روح النظام.

الاختراق الإسرائيلي والاستعداد السوري ليسا مجرد تبادل رسائل. إنهما يحملان في طياتهما احتمالات الخطر بنشوب الحرب، لكن هذه الحرب بينهما ليست واقعة بالضرورة وليست قريبة بالتأكيد… فقد تحدث حرب بالوكالة.

 إنه احتمال أكبر، فهناك ساحة مفتوحة اسمها لبنان ومستعدة للحروب بالوكالة.. هكذا هي منذ ثلاثين عاماً، وهكذا كانت العام الماضي في حرب يوليو/تموز، وهكذا يمكن أن تكون. والمحور السوري-الإيراني يستطيع المواجهة العسكرية عبرها مثلما يستطيع البناء عليها لفتح ثغرة في جدار التوتر مع واشنطن.

Share