الحالة الفلسطينية وإسرائيل.. بين تسريبات "وثائق المفاوضات" والحدث المصري

  • 6 فبراير 2011

تنشغل الأوساط السياسية الفلسطينية، في الوطن والشتات، بحدثين مهمين، يُعتبران في عداد الموضوعات ذات المفاعيل المؤثرة، داخلياً وعلى ساحة المواجهة مع إسرائيل، الأول؛ قيام قناة "الجزيرة" الإخبارية بنشر مجموعة من الوثائق السرية للمفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، والثاني؛ تداعيات الحدث المصري على الفلسطينيين.

فقد أظهرت "وثائق المفاوضات" أن السلطة الفلسطينية قدّمت تنازلات جوهرية بشأن حق عودة اللاجئين ويهودية إسرائيل وحدود الدولة الفلسطينية المفترضة، وكذلك تنازلات غير مسبوقة بشأن القدس. كما بيّنت الوثائق أن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية للاحتلال بلغ مرحلة متقدمة بهدف توجيه ضربات لمختلف فصائل المقاومة، وأكد رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي الأسبق عامي أيالون في تصريح لإذاعة الجيش الإسرائيلي أنه في بعض الحالات تجاوز الأمر العمل الاستخباري، ووصل إلى حد التعاون في العمليات الميدانية، بينما أقرت السلطة -حسب الوثائق- بقتلها فلسطينيين في سبيل إقامة "سلطة البندقية". وهو ما حدا بالولايات المتحدة وإسرائيل إلى الاعتراف بدور مخابرات السلطة الفلسطينية "الرائع". وأفادت الوثائق أن رئيس السلطة محمود عباس كان على علم بنيّة إسرائيل مهاجمة قطاع غزة قبل العدوان عليه، وأن السلطة عملت على سحب تقرير غولدستون الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في تلك الحرب.

وقد قابلت السلطة الفلسطينية التسريبات بالتشكيك في مقاصد قناة "الجزيرة" القطرية، وبتكذيب التقارير التي نشرتها، وشنت حملة مضادة عليها، كما شكلت لجنة تحقيق فلسطينية حول كيفية "تسريب الوثائق". أما إسرائيل فقد استقبلت التسريبات بمواقف متباينة، فبينما قام رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود أولمرت بنشر روايته حول المفاوضات، والتي أكد فيها بعض مضامين وثائق "الجزيرة"، اندلع سجال بين مختلف القوى الحزبية والفعاليات السياسية الإسرائيلية، كان طابعه الغالب يتلخص بإبداء الارتياح والتقدير إزاء النهج الذي اتخذه المفاوضون الفلسطينيون.

ولوحظ أن التعليقات الإسرائيلية تركزت على النتيجة التي آلت إليها المفاوضات، وعلى تفسير أسباب إخفاقها، وتفاعلات نشر وثائقها على عملية التسوية؛ حيث ادعت رئيسة المعارضة تسيبي ليفني، التي كانت تشكل العنصر الأبرز في حكومة أولمرت، "أن الوثائق تبرهن على وجود شريك ووجود إمكانية للتوصل إلى تسوية سلمية من خلال الحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل"، فيما قام كثيرون بتحميل إسرائيل مسؤولية تعثّر الحل؛ لأنها تتجاهل عمداً -أو لا ترى- التغيير الذي من أجله تستعد السلطة الفلسطينية للإعلان عن نهاية النزاع والمطالب. وقام بعض هؤلاء بالتذكير أن إسرائيل قالت ذات مرة إن ياسر عرفات هو آخر عقبة أمام التسوية، وحين يغيب سيأتي السلام، ولكن ذلك لم يحدث، فالآن، وبعد سنوات على غيابه، ها هو ذا وريثه محمود عباس، أكثر الزعماء الفلسطينيين اعتدالاً، يذوي يائساً ومخدوعاً ومرير النفس. ورأى بعضهم أن إسرائيل ستشتاق إلى عباس، مع احتمالات تعاظم سطوة "حماس" ومكانتها.

وفي معرض قراءة مضامين العملية السياسية، بيّن هؤلاء أن الوثائق المسرّبة سحبت البساط من تحت ادعاءات بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتعنتة، ولم يعد ممكناً من الآن فصاعداً مواصلة القول إنه "لا يوجد شريك"، حيث أظهرت الوثائق أنه كان أمام إسرائيل بالفعل شريك فلسطيني براغماتي.

وتوقف آخرون عند الموضوع ذاته، ولكنهم اعتقدوا أن هذا الشريك الفلسطيني يعاني مشكلات عدة، فهو ضعيف وخائف ومتردد، ومن أجل أن يخطو أي خطوة إضافية يحتاج إلى الدعم والتشجيع وإلى حزام أمني عربي ودولي. وأكثرَ هؤلاء من الحديث عن أن السلطة الفلسطينية لا تستطيع فرض وجودها في قطاع غزة، وأنها تواجه تهديداً من "حماس" والفصائل الأخرى التي تعترض على المفاوضات والتسوية بالمقاييس التي تجري وفقها.

وكان هناك مهتمون إسرائيليون يتبنون رؤية وسطية، عبر توزيع المسؤولية على الطرفين، معتبرين أن التسوية ذات تفاصيل معلومة، وأن الوثائق الفلسطينية التي سُرّبت تبرهن على ضآلة الفرق بين مواقف إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لكن يبدو -باعتقادهم- أنه لا يوجد في الطرفين قادة يريدون اتخاذ قرار بإنجاز تسوية حقيقية، فالزعماء يريدون التحادث وإجراء التفاوض، وبعد ذلك يتهم كل فريق الطرف الثاني بإخفاقه، أي إنهم لا يريدون حقاً اتخاذ أي قرار بشأن التوصل إلى تسوية جادة، أو لا يستطيعون الثبات لدفع الثمن. وعلى نحو أكثر تحديداً، ذهب أصحاب هذه الرؤية إلى أن "الحد الأعلى" الذي تستطيع حكومة إسرائيلية (أي حكومة) عرضه على الفلسطينيين ويدوم سياسياً هو أقل كثيراً من "الحد الأدنى" الذي تستطيع سلطة فلسطينية (أي سلطة) الموافقة عليه والبقاء سياسياً.

وإلى جانب هذا التنوّع في القراءة، لفت العديد من المحللين الإسرائيليين الانتباه إلى أن كشف "وثائق التفاوض" حقق هدفه، حيث عزز جداً من مكانة "حماس" وموقفها، وجعل الناطقين بلسان السلطة الفلسطينية يتخذون حالة الدفاع عن النفس. ويتعلق الأمر هنا بتأكيد "الحكومة الفلسطينية" المقالة في قطاع غزة، وفصائل المقاومة، رفضها القاطع لسلسلة "التفريط بالحقوق الفلسطينية" التي قدمتها قيادة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير في قضية اللاجئين والقدس المحتلة والحدود، وقيامها بتنفيذ فعاليات شعبية وفصائلية ضد السلطة وتنازلاتها.

ولدى تقليب المسألة على مختلف وجوهها، يتضح أن تسريب الوثائق أسهم بتوليد نوعين من الردود الفلسطينية، أحدهما؛ يعكس ملامح يقظة من الكابوس التفاوضي والبدء بمراجعة ما جرى، وهو ما يوحي بإمكانية التشدد الفلسطيني مستقبلاً، والآخر؛ تعزيز الميول لدى "حماس" للتريث في متابعة عملية المصالحة، وتجدد المطالب بإسقاط السلطة، على خلفية "تماديها" في التنازلات.

وبينما كانت الساحة الفلسطينية تئن تحت وطأة هموم الاحتلال والانقسام الداخلي، جاء الحدث المصري بتأثيراته الفورية والمتوقعة، ليضيف معطى جديداً إلى تعقيدات الحالة الفلسطينية. فعلى الصعيد الميداني، كان لذلك الحدث تأثير على حركة "الأنفاق"، التي تزود القطاع بنحو 80% من البضائع التي تدخل إليه، حيث نشأ نقص غير بسيط في غزة لبضائع مختلفة، وتركزت الضائقة الأكبر في الوقود، بتوقف 8 أنابيب(من أصل 12 أنبوباً) للوقود عن العمل، بسبب توقف المواصلات والمظاهرات في مدن شمال سيناء رفح والشيخ زويد والعريش، التي تمر منها إمدادات الوقود المهرب عبر الأنفاق إلى القطاع.

ولكن، بالمقابل، حسب ادعاء مصادر إسرائيلية، زادت "حماس"، بالتعاون مع البدو في سيناء، إدخال وسائل قتالية وعناصر تصفها بأنها "إرهابية" عبر الأنفاق إلى غزة. ولهذا قررت إسرائيل السماح – خلافاً للملحق العسكري في اتفاق السلام – بإدخال قوات(كتيبتين = 800 جندي) من الجيش المصري إلى المناطق المجردة من السلاح في سيناء في موقعي رفح وشرم الشيخ.

ومن الناحية الدعائية، حاول الإعلام المصري الرسمي الزج باسم حركة "حماس" في الأحداث عبر الزعم بأن عناصر من الحركة هم من بين المعتصمين في "ميدان التحرير". وتجاهل هذا الإعلام تأكيدات زعماء "حماس" بأن ما يجري في مصر هو شأن داخلي مصري بين أطراف مصرية بحتة، وأن لا علاقة لحماس فيما حدث في سيناء، وأن معبر رفح أغلق أولاً من قبل السلطات المصرية. وتعبيراً عن هذا الموقف منعت الشرطة في غزة تظاهرة تضامنية مع الاحتجاجات الجارية في مصر. وفي الوقت ذاته قامت السلطة الفلسطينية أيضاً بتفريق مظاهرة مؤيدة لاحتجاجات المصريين.

وبشأن التوقعات، يستشف من التقارير الفلسطينية والإسرائيلية أن الفلسطينيين(السلطة وحماس، كلاً على حدة) يستعدون لمرحلة ما بعد الحدث المصري. فمن شأن انتهاء حكم الرئيس مبارك أن يؤثر في مكانة صديقه محمود عباس، وسيشكل ذلك ضربة سياسية مؤلمة للسلطة. وفي موازاة ذلك، ظهرت تكهنات بأن أول قوة عربية ستخرج مدعومة بشكل كبير من الاحتجاجات الشعبية في مصر هي "حماس"، التي تُعد الذراع الفلسطيني للإخوان المسلمين في مصر، الذين يتوقع أن يحققوا مكاسب سياسية مهمة، وأن ذلك سيؤدي إلى تعزيز قدرة حركة حماس على مواصلة إدارة قطاع غزة وحكمه، الأمر الذي ينعكس على شروطها لتحقيق المصالحة مع "فتح". ولهذا أخذت السلطة تستعد لاستنساخ الحدث المصري ضد "حماس" في قطاع غزة في القريب العاجل.

وحول جوانب أخرى من انعكاسات الغليان المصري على الوضع الفلسطيني، توقع بعض المعنيين الإسرائيليين أن تمتد الاحتجاجات الشعبية إلى الساحة الفلسطينية، ولا سيما أن وضع الطلاب الفلسطينيين ليس أفضل من وضع الشباب المصري، وأن "مواقع التواصل الاجتماعي" تعمل في خدمتهم أيضاً. وعندئذ ستتمزق شبكات الحماية التي أنشأها الطغيان الإسرائيلي على الفلسطينيين، عاجلاً أم آجلاً. ولكن – كما يجزمون- بعد أن يتوجه الفلسطينيون إلى الحواجز والمستوطنات الإسرائيلية، سيكون الأمر العسكري الإسرائيلي واضحاً، بإطلاق النار مهما بلغ عدد القتلى، حسب "تراث الرصاص المصبوب".

وحين يضاف إلى ذلك تفاعل عرب الداخل في مناطق 48 مع الأحداث في مصر تأييداً للاحتجاجات المصرية، من المؤكد أن إسرائيل ستتوجه إلى كل أجنحة الفلسطينيين برسالة واحدة تشدد فيها على أنها ستبقى هي "القوة المقررة" لأوضاعهم، راهناً ومستقبلاً.. إنها رسالة تُصاغ عملياً وفق حسابات قاصرة، تحاول تخليد القوة الآنيّة المتغطرسة، وتجري بعيداً عن توقّع المفاجأة الكبرى، على غرار الركون الإسرائيلي السابق إلى استقرار النظام المصري.

Share