الحالة السياسية الفلسطينية: الحراك الراهن والمسارات المحتملة

  • 25 أكتوبر 2011

بعد تسلّم رئيس مجلس الأمن الطلب الفلسطيني لحصول دولة فلسطين على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، قام بتوزيعه على أعضاء المجلس الخمسة عشر، وهذا يعني أن الطلب يحقق شروط ميثاق الأمم المتحدة. وكإجراء عملي، وافق المجلس بالإجماع على إحالة الطلب الفلسطيني إلى اللجنة الدائمة المختصة بقبول أعضاء جدد بالمنظمة الدولية التي تتكون من جميع أعضاء مجلس الأمن. وهي لجنة تقنية تضم خبراء تقوم بمراجعة الطلب وتقييمه، ثم ترفع تقريرها إلى المجلس لمناقشة الطلب في جلسة مفتوحة والتصويت عليه. وتصدر لجنة العضوية هذه توصياتها بالأغلبية البسيطة، ولا تملك أي دولة فيها حق "الفيتو".

وفي نهاية سبتمبر الماضي، بدأت لجنة قبول العضوية أول اجتماعاتها، وعادة ما تكون فترة مراجعة طلب العضوية 35 يوماً كحد أقصى، لكن هناك تقديرات بأنه يمكن تجاوز هذا الحد، وأن الأمر ربما يستغرق وقتاً أطول. وبعد موافقة اللجنة، التي يعدّ دورها قانونياً فقط، فإن المواقف السياسية للدول الأعضاء ستحسم مصير التصويت في مجلس الأمن.

وحسب الميزان الحالي، هناك 131 دولة تعترف بدولة فلسطين، من أصل 193 دولة تتشكل منها الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي مجلس الأمن، أعلنت ست دول أنها ستقف إلى جانب القرار (هي: روسيا والصين ولبنان والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا). وتحتاج الموافقة على قرارات مجلس الأمن إلى تأييد تسعة أصوات، دون اعتراض أي من الدول الخمس دائمة العضوية. وبما أن الدول الأوروبية غير مرشحة للموافقة على هذا القرار نظراً لحساسية موقفها من عملية التسوية وعدم رغبتها في إغضاب إسرائيل، تصبح دول البوسنة والغابون ونيجيريا هي صاحبة القرار في معركة الفلسطينيين في مجلس الأمن. ومن هنا يمكن فهم بعض دوافع تحرك الرئيس الفلسطيني محمود عباس دولياً لدعم مطلب الفلسطينيين.

بالمقابل، هناك ضغوط أمريكية وإسرائيلية هائلة على الدول الأعضاء في مجلس الأمن، حيث تسعى واشنطن – مع إسرائيل –  إلى تأمين امتناع تسع دول عن التصويت، حتى يسقط الطلب وحده، دون الاضطرار لاستخدام "الفيتو". وفي إطار المناورة الأمريكية، نُشرت معلومات عن اعتزام أوباما الطلب من الفلسطينيين التنازل عن مسعاهم الأممي، وفحص إمكانية الاكتفاء بتقديم الطلب إلى الأمم المتحدة فقط، بانتظار نتيجة البحث عن سبل استئناف المفاوضات. وأمام الرفض الفلسطيني لذلك، بدا من المؤكد أن "الفيتو" الأمريكي ينتظر على الطريق. وراحت إدارة أوباما تجري مشاورات مع دول عربية معينة لتفادي أي نتائج سلبية يمكن أن تؤثر على علاقتها بواشنطن في حال استخدامها "الفيتو".

وفي الوقت ذاته، مضت إدارة أوباما في سياسة معاقبة الفلسطينيين وابتزازهم، فمنع الكونغرس تحويل مساعدات مالية للسلطة بقيمة 200 مليون دولار، ووقع نحو 40 عضواً من الكونغرس على اقتراحات جديدة تشمل منع تحويل المستحقات المالية الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى ضم مناطق في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية.

وفي الجانب الإسرائيلي، برزت تقديرات وتوصيات عدة بشأن الخطوة الفلسطينية، منها وثيقة لـ"مركز الأبحاث السياسية" في وزارة الخارجية وزعت على ممثليات إسرائيل في الخارج (في 20 سبتمبر الماضي)، تستند إلى تقديرات استخبارية تزعم أن توجه محمود عباس إلى مجلس الأمن هو لعبة دبلوماسية تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للحصول على الحد الأقصى من المكاسب، مقابل تعليق المسعى الفلسطيني أو التوجه إلى الجمعية العامة فقط.

إضافة إلى ذلك، تحركت الدبلوماسية الإسرائيلية بنشاط للتشكيك في توجهات السلطة الفلسطينية وممارساتها وبقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها. وحسب تقرير للإذاعة الإسرائيلية نشر في الثاني من أكتوبر الحالي، أعطى وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان تعليماته لمسؤولين في وزارته لإعداد وثيقة ترسل إلى مجلس الأمن تؤكد أن السلطة الفلسطينية غير ناضجة لتحصل على دولة، لأسباب كثيرة، منها؛ عدم نجاحها في إجراء انتخابات عامة وانتخابات للبلديات والمجالس المحلية.

وفيما تواصل حكومة نتنياهو فرض وقائعها على الأرض، وخاصة في مجال الاستيطان، تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام مسارات قسرية محتملة، أو لنقل خيارات إكراهية، للتعامل مع التحديات الجارية والمستقبلية: الخيار الأول؛ مواصلة "معركة العضوية"؛ حيث أكدت السلطة الفلسطينية نيتها متابعة العمل للحصول على عضوية فلسطين في الأمم المتحدة. وفي حال تعذر حصول الطلب على الأصوات المطلوبة أو استخدام "الفيتو" الأمريكي في مجلس الأمن، فإن هناك "إمكانية لتكرار عملية طلب العضوية العديد من المرات"، حسب دراسة وزعتها "دائرة شؤون المفاوضات" في منظمة التحرير (7 أكتوبر 2011). وهذا ما ينسجم مع سوابق عدة في الأمم المتحدة، مثل؛ اليابان وأيرلندا والبرتغال والأردن، التي استعمل "الفيتو" ضد طلب انضمامها مراراً. كما أن هناك خياراً فرعياً في "معركة العضوية" هو طلب تصويت مباشر في الجمعية العامة لترقية مكانة فلسطين في الأمم المتحدة من "كيان مراقب" إلى حالة "دولة مراقب غير عضو"، على نحو مشابه تقريباً لمكانة دولة الفاتيكان. وهذه الحالة مرتبطة باعتراف المنظمة الدولية بها؛ لأن ميثاق الأمم المتحدة لا ينص بشكل واضح على هذه الصيغة. وإذا حصل ذلك، فستسمح حالة "دولة مراقب" لفلسطين بالتصويت وتقديم قرارات للجمعية العامة والتقدم بمرشحين لمناصب عليا فيها. وهناك فرصة لنجاح هذا الطلب، ولاسيما أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كان قد اقترحه من قبل.

الخيار الثاني: "العودة إلى المفاوضات"؛ وهو خيار محتمل في حال ظهرت مستجدات يرى فيها المفاوض الفلسطيني أنها تلبي الحد الأدنى من مطالبه، وتتيح له الحفاظ على ماء الوجه أمام شعبه. وهنا يمكن التوقف عند تطور مهم، يتساوق مع الرغبة الأمريكية بإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات، وهو توصل أعضاء اللجنة الرباعية الدولية إلى بيان مشترك (في 24 سبتمبر 2011) يدعو إسرائيل والفلسطينيين إلى تجديد المفاوضات المباشرة بينهما خلال شهر. وحسب بيان الرباعية؛ يعلن الطرفان جاهزيتهما للتوصل إلى اتفاق ضمن جدول زمني، لا يزيد عن نهاية عام 2012. وتتوقع الرباعية أن يعرض الطرفان اقتراحات شاملة خلال ثلاثة أشهر في قضايا الحدود والأمن، وتحدثت عن مؤتمر سلام دولي سيتم عقده في موسكو. وقد أعطت إسرائيل موافقة مبدئية على بيان الرباعية، وقالت إن هذا البيان لا يحمل أي دعوة لوقف الاستيطان أو الانسحاب إلى حدود 1967، بينما يرى الفلسطينيون أن ذلك قد ضُمن بشكل غير مباشر، ويستندون إلى فقرتين وردتا في البيان، تبيّن الأولى أن "الرباعية تؤكد تصميمها على البحث فعلياً وجدياً عن حل شامل للنزاع العربي- الإسرائيلي على أساس قرارات مجلس الأمن رقم 242 و338 و1397 و1515 و1850 ومبادئ مؤتمر مدريد، بما في ذلك مبدأ الأرض مقابل السلام وخارطة الطريق والاتفاقات التي توصل إليها الجانبان سابقاً". وتتضمن الثانية دعوة الطرفين إلى "الامتناع عن القيام بأعمال استفزازية لتكون المفاوضات مجدية، والتذكير بالتزامات الجانبين الواردة في خارطة الطريق". وهذا يعني أن بيان الرباعية لم ينص صراحة على وقف الاستيطان، ولكنه تحدث عن وقف الإجراءات الاستفزازية، كما لم ينص صراحة على حدود 67، ولكنه تحدث عن مفاوضات على أساس الشرعية الدولية وخارطة الطريق ومبادرة السلام العربية. ووفق هذا المضمون، يوحي القبول الإسرائيلي بخطة الرباعية بأنه دخول في لعبة "ممارسة الخداع "، حسب وصف صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين. ومع ذلك تواصل الرباعية محاولة ترجمة بيانها إلى خطوات عملية.

الخيار الثالث: "الانتظار وتحسين الوضع القائم"؛ وهو ما يعني عملياً استغلال الظروف الحالية لتقليص وطأة الاحتلال على الفلسطينيين، مع محاولة مراكمة مزيد من عناصر القوة الذاتية والعربية والدولية لصالحهم. وعلى الرغم من أن إسرائيل ستصد هذه المساعي، فإن هناك تقارير إسرائيلية (أواسط أكتوبر 2011) تشير إلى نية حكومة نتنياهو صرف الأنظار عن تعنتها، عبر بيع الفلسطينيين والعرب والعالم بضاعة ملغومة، تتمثل باتفاق أمني مع السلطة الفلسطينية، تحت إشراف أمريكي، لنقل السيطرة إليها على مناطق من الضفة الغربية تخضع لسيطرة إسرائيلية تامة. ولإدراك مغزى هذا "الكرم" الإسرائيلي، من المفيد التوقف عند توصية رئيس "الإدارة المدنية" في الضفة، الجنرال موتي ألموز (المنشورة في موقع ويلا العبري في 2 أكتوبر الحالي) بضرورة استمرار التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية والمدنية الفلسطينية، وعدم المغامرة بها، لكونها مصلحة حيوية للطرفين، يمكن عبرها كبح جماح المقاومة. ولم ينس الجنرال ألموز تأكيد أن الاتصالات الأمنية والمدنية لم تنقطع بتاتاً رغم "استحقاق أيلول"، وأن جهاز "الأمن الوقائي" والمخابرات الفلسطينية تمكنا بالتعاون مع جهاز "الشاباك" من اكتشاف خلايا كانت تخطط للقيام بعمليات داخل إسرائيل.

الخيار الرابع والأخير هو "حل السلطة الفلسطينية"؛ ولنلاحظ هنا أنه دخل إلى لغة التداول قبل أيلول وخلاله وبعده تعبير "إعادة المفاتيح لإسرائيل"، وذلك في حال تم التيقّن تماماً من انسداد الأفق أمام الفلسطينيين. ومن العيّنات التي تطرقت إليها التقارير الإسرائيلية أن الإدارة الأمريكية ودولاً أوروبية أبلغت نتنياهو في نيويورك أن محمود عباس على وشك اتخاذ إجراءات حاسمة تتعلق بمصير السلطة الفلسطينية وحلها، في حال عدم تحقيق إنجازات فعلية تتعلق بالدولة الفلسطينية وبمستقبل التفاوض مع إسرائيل، كما حذّرت واشنطن نتنياهو من أن إسرائيل ستواجه عندئذ كارثة حقيقية. وإذا افترضنا صحة ذلك، فمن المقدّر أن يكون من أبرز أغراض هذا التحذير؛ دفع نتنياهو لإبداء مرونة إزاء الفلسطينيين، والتمهيد لتبرير عدم تطابق الموقفين الأمريكي والأوروبي مع الموقف الإسرائيلي حيال التوجه الفلسطيني لحيازة الاعتراف الأممي.

لدى مناقشة هذه الخيارات، سيلاحظ أي محلل، بصرف النظر عن خلفيته وقناعاته المبدئية، أن كلاً منها محكوم بتضافر عوامل كابحة للحركة الفلسطينية، أبرزها؛ اختلال ميزان القوى لصالح الجانب الإسرائيلي، وامتناع الرئيس أوباما عن إغضاب إسرائيل واللوبي اليهودي ارتباطاً بتطلعه إلى إعادة انتخابه، وتضاؤل قدرة الرياح العربية والإسلامية على ملء شراع الحل الطبيعي العادل للقضية الفلسطينية. وعلى هذه الخلفية من المفترض أن يضطر الفلسطينيون إلى التأني والمثابرة السياسية وتوفير مقومات الصمود وترسيخ الوحدة الوطنية، كأدوات لازمة لمواجهة إملاءات الخصم.

Share