الحالة الانقسامية الفلسطينية .. تفاعلات وآفاق

إبراهيم عبدالكريم: الحالة الانقسامية الفلسطينية .. تفاعلات وآفاق

  • 28 يونيو 2007

علقت حركتا "فتح" و"حماس" في "ورطة استراتيجية" من النوع المُحْكم، على الرغم من الفارق الكبير في مضامين الحالة التي تمر بها كل منهما. وبدأتا كتابة تاريخ جديد في المناطق الفلسطينية؛ فبعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، اتضح أن الإخفاق المحتم ينتظر إقلاعها، بفعل مقاطعة إسرائيل والإدارة الأمريكية لها، ومساعيهما للبحث عن بدائل لهذه الحكومة. وفي سياق هذه المساعي، طبقاً لتقارير محايدة( نشرت في شهر آذار/مارس الماضي)، أخذت تتبلور خطة محكمة لخلق "قيادة فلسطينية بديلة". وراح المنسق الأمني الأمريكي "كيث دايتون" يرسم الخطوط العريضة لهذه الخطة، وكان في مقدمتها؛ تزويد قوات الرئاسة الفلسطينية بقدرات عسكرية تؤهلها لحسم المواجهة مع قوات حماس، ثم تشكيل حكومة فلسطينية قوية تستطيع فرض الاستقرار والتوصل إلى سلام مع إسرائيل.

انسجاماً مع هذا التصور، جرى العمل في منحى محدد، كشف عنه مؤخراً المعلق السياسي "فولف راينهاردت" في صحيفة "يونجا فيلت" الألمانية، عبر اتهامه إدارة الرئيس "بوش" بالتخطيط لتفجير الأوضاع الفلسطينية. وبنى "راينهاردت" اتهامه على إفادة للجنرال "دايتون" أواخر أيار/مايو الماضي خلال جلسة استماع للجنة الشرق الأوسط في الكونغرس، أكد فيها أن تعبئة الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" ضد "حماس" يمثّل خياراً استراتيجياً للإدارة الأمريكية، وأن الأوضاع في قطاع غزة ستنفجر قريباًً وبلا رحمة. وذكرت الصحيفة أنه تم توجيه "الدمى الفتحاوية" لتشكيل "فرق موت" تتعاون مع الحرس الرئاسي الذي يشرف عليه "محمد دحلان"، لتصفية قيادات "حماس".

 وتحدثت "حماس" عن ضبط ملفات ومستندات خطيرة جداً في مقر جهاز الأمن الوقائي، تؤكد "تورط الجهاز بالعمالة مع العدو الصهيوني، وخاصة في اغتيال قادة المقاومة الفلسطينية". كما تحدثت عن أن إسرائيل والإدارة الأمريكية ستندمان على الأسلحة الضخمة التي قدمتاها لعباس وقواته، بعد أن وقعت في أيدي "حماس". كما أوضحت الحركة أن حربها ليست ضد السلطة، وليست ضد حركة "فتح"، بل هي عمليات محددة ضد "تيار انقلابي"، وأن ما يجري هو استئصال مجموعات أمنية معزولة، تحاول استغلال موقعها الأمني داخل "فتح" لإشاعة حالة الفوضى الأمنية.

 أما في أوساط حركة "فتح" والسلطة، فتم النظر إلى المسألة كمحاولات مغرضة للنيل من الخط الوطني والمسار النضالي للحركة وقياداتها. وتؤكد هذه الأوساط أن حركة "حماس" كانت تتطلع منذ فترة بعيدة إلى السيطرة على قطاع غزة، وأنها استعدت جيداً للحرب الحاسمة، وأخذت تتصرف وفق خطة هجومية تفصيلية، تتضمن الاستيلاء على مؤسسات السلطة ومقرات "فتح"، وتصفية قيادات أجهزة الأمن، خصوصاً الأمن الوقائي، والقضاء على قيادات "فتح" وقوات الرئاسة في قطاع غزة.

 وحين يقف المحلل على مسافة واحدة من طرفي النزاع، يبدو للوهلة الأولى أن الاقتتال الفلسطيني ينطلق من اعتبارات أيديولوجية، ويدور أساساً حول الهوية في الكيان الفلسطيني؛ ففي حين تريد "فتح" تكريس هوية وطنية بمضامين علمانية، تريد "حماس" تكريس هوية وطنية بمضامين إسلامية. وفي الحيثيات السياسية، يتهم كل من الطرفين المتصارعين "التيار الخائن" في الجانب الآخر بالتأثر بجهات خارجية تُملي عليه خطواته وتحركاته؛ ويجري وضع إيران وسورية وحزب الله وتيارات إسلامية أصولية، مقابل الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الأنظمة العربية.

 وبتعميق قراءة الأحداث، يمكن القول إن هناك صراعاً واضحاً بين "مشروعين" على الساحة الفلسطينية، لكل منهما أدوات تنفيذ محلية مدعومة بقوى حليفة، على نحو لا يختلف عن حالات أخرى في المنطقة (لبنان، العراق، السودان، الصومال..). وتتجسد  الخطورة الأبرز، المترتبة على ذلك الصراع، بوجود حالة انقسامية قابلة للتفاقم على الساحة الفلسطينية، ستكون لها مرتسمات على الجغرافيا والخارطة السياسية والتفاعلات الاجتماعية وسواها. وتتحدد معالم هذه الحالة، بأننا أمام إقامة كيان مستقل تحت سيطرة "حماس" في قطاع غزة، وبقاء كيان سلطوي تحت سيطرة "فتح" في الضفة الغربية. وهو ما يعني أن الحلم الفلسطيني القديم بدولة كاملة بدأ يتلاشى، حيث ستقسم المناطق الفلسطينية إلى كيانين سياسيين/ثقافيين، مستقلين هما: "دولة حماس" في الجنوب، و"دولة فتح" في الشمال، وبالتعبيرات الترميزية؛ "حماستان" في القطاع، و"فتح لاند" في الضفة.

 وبالنسبة للموقف الإسرائيلي، يتبين من متابعة ردود الفعل الرسمية وتحليلات الأوساط المعنية، أن إسرائيل التقطت ما كانت تنتظره كغنيمة كبرى، عبر القيام بعزل "حماس"، والتعامل مع قطاع غزة على أنه "دولة عدو"، مع ترويج الذرائع المتعلقة بفرض إغلاق تام على "مناطق حماس"، وقطع ارتباطها بالضفة الغربية، ومنع تغلغل "حماس" فيها، وتحميل جميع مواقع الحركة على خرائط الجيش الإسرائيلي كأهداف مرشحة للقصف. وبالترافق مع قيام شركة "دور ألون" الإسرائيلية بإيقاف تزويد الوقود لقطاع غزة، وتجميد العمل بالاتفاقية التي أبرمت عام 1994 مع  السلطة الفلسطينية، ظهرت تهديدات بقطع الماء والكهرباء عن القطاع، فضلاً عن تشديد قبضة الحصار، لتأليب الفلسطينيين على "حماس" لتوليد قوة داخلية ناقمة تتيح تحقيق أهداف عجزت عنها المواجهات المباشرة مع "حماس"، وذلك بالتزامن مع نشر تقارير تفيد بأن وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد "إيهود باراك" يخطط لشن حملة عسكرية على قطاع غزة، سيشارك فيها 20 ألف جندي، للقضاء على قدرات حماس العسكرية خلال أيام. وبالمقابل، أعربت الحكومة والمعارضة الإسرائيلية عن ارتياحها لقرار حل حكومة الوحدة والإعلان عن حالة طوارئ في السلطة، وتم التذكير بأن السلطة ستحظى بالمساعدة من إسرائيل والعالم. ورأى رئيس الحكومة "إيهود أولمرت" أن حكومة "عباس" تعدّ شريكاً في دفع عملية السلام، وأنّ الأحداث الأخيرة في قطاع غزة أدّت إلى ظهور فرصة لا مثيل لها لاتخاذ خطوات سياسية في هذا الصدد.

 وبالاقتراب أكثر من تعقيدات المسألة، فإن أول ما يثير الاهتمام، هو إمكانية حدوث كارثة فظيعة في قطاع غزة جراء إغلاقه التام. لهذا بدأت إسرائيل -على ما يبدو- تتحسب للانفجار، وطالبت العالم بأن يشارك في حل المشكلة قبل فوات الأوان. وإزاء تعدد الاحتمالات المفتوحة على المجهول، تكثر التوقعات؛ ابتداءً من اضطرار إسرائيل وحماس للوصول إلى نوع من "التفاهم" بينهما، وانتهاءً بالتحذير من أن رفض "حماس" سيوفر الفرصة لتغلغل تنظيم "القاعدة" في قطاع غزة، وعندها ستنشأ فوضى غير مسبوقة، على تخوم "العمق الاستراتيجي" الإسرائيلي.

 من جانبها أبلغت إدارة "بوش" رئيس السلطة الفلسطينية "محمود عباس" دعمها له وقرارها برفع الحظر والعقوبات عن حكومة الطوارئ، وأخذت واشنطن تبلور مع الرباعية الدولية وبعض العواصم العربية صيغة جديدة للعمل، يفهم منها وجود نية لعزل قطاع غزة كمشكلة منفردة تتطلب معالجة خاصة من قبل المجتمع الدولي، ودعم السلطة الفلسطينية، بتقديم "تسهيلات" تتصل بالضفة الغربية فقط، تسهم في تحسين مستوى المعيشة، لعرض إنجازاتها، وتقديم "مثال حي" على أنه من الأفضل للفلسطينيين العيش تحت السلطة وليس في ظل "حماس". مع محاولة تسريع الحوار الإسرائيلي-الفلسطيني، واختبار إمكانية تجسيد رؤية "بوش" حول الدولتين، بإنشاء "دولة مؤقتة" في الضفة ضمن حدود الجدار الفاصل.

 ومع ذلك، تبدي الإدارة الأمريكية والجهات الدولية والعربية، عموماً، حرصها على مواجهة تحوّل قطاع غزة إلى "جيب إسلامي"، ربما يقدم المثل والرمز الملهم للإسلاميين الآخرين في سائر أنحاء الشرق الأوسط، ويوفر ملاذاً آمناً جديداً للإسلاميين من جميع الأجناس، وبالتالي انتقال "العدوى" من القطاع إلى دول المنطقة.

 وفي تحري آفاق التطورات الجارية، من المفترض أن تقرر "حماس" قريباً إلى أين تتجه؛ إلى إعادة النظر بخطواتها السياسية والإجرائية والتمسك بالحوار؟، أم إلى المضي حتى نهاية الشوط في القطيعة مع السلطة في الضفة؟. وفي مواجهة إسرائيل؛ الذهاب إلى التصعيد، أم إلى التهدئة؟. وفي كل الأحوال، ستجد حماس نفسها أمام استحقاق معالجة شؤون سكان القطاع الذين أصبحت مشكلاتهم الآن هي مشكلات "حماس" بعد غياب سلطة "عباس". وهناك من يعتقد أن "حماس" ستطلب مساعدات دولية. لكن عندئذ ستشترط إسرائيل بأن تترافق كل مساعدة بمواجهة "إرهاب حماس"، وضمناً مرابطة قوة دولية في القطاع، وهو ما ترفضه "حماس" وتهدد بأنه سيتم اعتبارها "قوات احتلال"، كونها تهدف إلى القضاء على قوى المقاومة وخدمة الاحتلال الإسرائيلي. أما في الشق المتعلق بالسلطة و"فتح"، فإنه من غير المعقول أن يتم التسليم بما يسمى "واقع الانفصال والتمرد" في القطاع، وبالتالي ستنشأ حاجة ماسة لرأب الصدع وتصحيح الخلل الطارئ، سواء بالعودة إلى التوافق، أم بالذهاب إلى انتخابات جديدة. وبغير ذلك من المستبعد التخلص من المأزق الراهن الذي يهدد المشروع الوطني الفلسطيني بالاختناق.

Share