الحادي عشر من سبتمبر: مأساة العالم الإسلامي

د. عادل رشيد: الحادي عشر من سبتمبر ... مأساة العالم الإسلامي

  • 13 سبتمبر 2007

هذّب أسامة بن لادن لحيته وصبغها باللون الأسود، ربما لتعطيه، وهو ذو الخمسين عاما من العمر، مظهرا أكثر شبابا وقوة. هكذا بدا أسامة في شريط الفيديو الذي تم بثه مؤخرا في ذكرى الحادي عشر من سبتمبر. وفيما تساءل الخبراء الأمنيون في الولايات المتحدة الأمريكية خلال إحدى جلسات الكونجرس الأخيرة عمّا إذا كانت اللحية حقيقية، رأى بعض المحللين فيها إشارة لأعضاء القاعدة الآخرين بشن هجمات جديدة.

نستطيع أن نلاحظ بوضوح أن حس التشكك والتخبط الذي انتاب وكالات المخابرات الأمريكية في أعقاب الهجمات المروعة ما يزال حاضراً حتى في ذكراها السادسة. ومن الطريف أنه بينما تحتفل القوة العظمى الوحيدة في العالم بشكل باهت بذكرى المناسبة، عاود أسامة بن لادن الظهور على شاشات تليفزيونات العالم، بعد ثلاث سنوات من الغياب موبخا الولايات المتحدة ومناقشا ارتفاع درجة حرارة الأرض.

إن ظهور الشبح المزعج لأسامة بن لادن وتنامي نفوذ القاعدة يشيران بوضوح إلى فشل الحرب العالمية المستمرة على الإرهاب. ومع زيادة عدد الهجمات الإرهابية في أنحاء العالم وانهماك الولايات المتحدة في حربها الصعبة في العراق وارتفاع شأن الطالبان في أفغانستان وتنامي العداء ضد سياسة الولايات المتحدة الخارجية سواء داخل أو خارج حدودها فقد أصبح من الأكثر وضوحا أن الولايات المتحدة الأمريكية بتزعمها للحرب العالمية على الإرهاب قد جلبت لنفسها مشكلات جديدة بدلاً من أن تحل القديمة منها.

وفي الواقع، بلغ الاستياء من السياسة الخارجية لإدارة بوش مداه مؤخراً؛ فقد أفاد الاستطلاع الذي أجراه معهد زغبي الدولي أظهر أن أكثر من 30% من الأمريكيين يريدون من مجلس النواب أن يحاسب بوش وتشيني بشكل عاجل، فيما تطالب الغالبية أن يحقق الكونجرس في تصرفات الزعيمين قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر وأثناءها وبعدها. وقد بلغ الإحباط ذروته لدرجة أن بعض الشخصيات الغربية المعروفة، مثل القس البريطاني تيري ويت الذي كان أسيراً في لبنان 1987-1991، قد طالبت بفتح حوار مع تنظيم القاعدة.

وفيما تناضل الولايات المتحدة لتنأى بنفسها عن مستنقع العراق تجد صعوبة في احتواء التهديد المتزايد الذي تفرضه إيران عبر تطوير برنامجها النووي وتنمية نفوذها السياسي في أنحاء الشرق الأوسط، كما ينغص على الولايات المتحدة أيضا عودة نفوذ حركة طالبان التي تهدد ببسط سيادتها على أفغانستان. وفي الحقيقة فإن الوضع في بلد الجبال يبدو مقلقا لدرجة أن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، قد دعا الحركة الإسلامية صراحة وفي نفس يوم ذكرى الحادي عشر من سبتمبر إلى مفاوضات سلام مع حكومته.

ومن الواضح أن الولايات الأمريكية تواجه تعثرا على أهم جبهتين في حربها على الإرهاب: العراق وأفغانستان. وذلك بعد ست سنوات من الخسائر المتزايدة بشريا وماليا واستخباراتيا في هذه الحملة التي تبدو بلا نهاية. ولكن رغم التكاليف الثقيلة في البشر والأموال والتي تكبدتها الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية والآسيوية فإن العبء الحقيقي لمأساة الحادي عشر من سبتمبر قد تكبده العالم الإسلامي على مستويات عدة.

 ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وفيما كان المسلمون يحاولون استيعاب الجريمة التي تم تنفيذها باسمهم دون وجه حق، وجدوا أنفسهم يتلقون ضربات عنيفة. ورغم الإدانة التامة والقاطعة للهجمات من كافة دول العالم الإسلامي فقد ألصقت الأفعال المشينة التي ارتكبتها المنظمة الإرهابية المغمورة وغير المشهورة نسبيا بعقيدة الإسلام الصحيحة المسالمة والمجتمع المسلم بأكمله. ومازال العالم الإسلام يعاني من الخوف المرضي من الإسلام والذي تسبب عن حادث فردي مر عليه ست سنوات.

وعلى مستوى العقيدة، تعرض المسلمون للنقد والسخرية، ولاسيما حول صلاحية وقدسية عقيدتهم وقيمهم الأخلاقية وكذلك المعايير والعادات والنظم الاجتماعية والسياسية. الغريب أن هذا الأمر لم يقتصر على عامة الناس في الغرب، بل شمل شخصيات مستنيرة وعلمانيين ورجال دين غربيين استمروا في تشويه العقيدة والحضارة الإسلامية.

وعلى الصعيد السياسي، قامت الحملة التي تشبه الحرب العالمية مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقد قيل إن هذه الحرب ستستمر لسنوات عديدة، وسيتم خوضها ضد الإرهاب. ولكن الذي جرى في الحقيقة كان خلطا بين الإرهاب وعقيدة الإسلام السمحة. ومن العجيب أنه تم الابتعاد تدريجيا عن التركيز على القاعدة كونها المرتكب الرئيس لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وادعت الولايات المتحدة أن هناك تهديدات جديدة تشكل خطراً على الأمن الدولي. وبذلك جرى توظيف الحرب الاستباقية للحرب على الإرهاب في غزو العراق الذي قتل فيه مئات وآلاف العراقيين بناء على فرضية زائفة.

ومرة أخرى، شنت حملة طائشة ومضللة لتحقيق الديمقراطية بالشرق الأوسط، والتي تراجعت عملياً؛ إذ لم تأت التجربة الديمقراطية بثمارها المأمولة، وزادت من عدم الاستقرار السياسي بالمنطقة لأنها كانت عملية قسرية، وربما ساهمت فيها قوى خارجية، وبسبب غياب الأمن السياسي والاجتماعي فازت القوى المتطرفة في الانتخابات. وما أطلق عليه نشر الديمقراطية في العراق والذي أعلت الولايات المتحدة الأمريكية من شأنه كان عاملا منفرا أكثر منه نموذجا يحتذى. وإذا كان هناك دولة حققت مكاسب من وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر فهي إسرائيل؛ ففي أعقاب الهجمة الإرهابية على الولايات المتحدة الأمريكية تم نزع الشرعية عن القضية الفلسطينية، وأطلقت يد إسرائيل في تكرار وتطوير جرائم الاحتلال، كما اعتبر الكفاح الفلسطيني من أجل إقامة دولة فلسطينية حركة تهدد أمن إسرائيل المسالمة!! وتبع ذلك تصفية القيادة الفلسطينية، وتكرار ضرب الحصار الاقتصادي والتوغل العسكري، وزاد احتلال وانتهاك الأراضي الفلسطينية والأماكن الدينية المقدسة.

وهكذا فقد كان لهجمات الحادي عشر من سبتمبر تأثير عميق ومزلزل على العالم الإسلامي، ولذلك من المناسب في كل مرة يتم فيها الاحتفال بذكرى تلك الهجمات أن يتذكر الشعب الأمريكي والإعلام معاناة ملايين المسلمين في أنحاء العالم، والذين تعرضوا للأذى المادي والمعنوي نتيجة لتلك الأحداث. كما يجب علينا أن نتذكر أن نكبة العالم الإسلامي بالحادي عشر من سبتمبر تساوي، إن لم تكن تفوق، ما حل ببقية العالم.

 ويبقى أن المرء يأمل في أن يسود مزيد من التعاطف والاحترام بين دول وشعوب العالم في تلك الأوقات العصيبة حتى نتجاوز تلك الكارثة الراهنة ونخرج منها أكثر اتحادا وحكمة.

Share