الحاجة ملحة إلى هدنة إنسانية في ليبيا

  • 27 أبريل 2020

تنطوي الدعوة المشتركة التي وجهها وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكبير دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي إلى هدنة إنسانية في ليبيا خلال شهر رمضان المبارك، على أهمية كبيرة، حيث تبدو الحاجة ملحة جداً لوقف إطلاق النار لفتح الطريق أمام مساعي إرساء السلام والتفرغ لمكافحة فيروس كورونا المستجد كوفيد-19.

هذه بالطبع ليست المرة الأولى التي تدعو فيها الدول الأوروبية إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا؛ فقد سبق أن وجهت دعوات مماثلة؛ كما سبق ووجه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أكثر من مرة الدعوة لهدنة في ليبيا – وغيرها من مناطق النزاع في العالم- كان آخرها يوم الأربعاء الماضي، حيث دعا إلى إحلال السلام بليبيا في شهر رمضان وتزامناً مع انتشار وباء كوفيد-19. ومن ثم يأتي البيان الأوروبي المشترك تماشياً مع هذه الدعوة ودعماً لها، حيث جاء فيه «نود ضم أصواتنا إلى الأمين العام للأمم المتحدة (أنطونيو) غوتيريش والقائمة بأعمال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا ستيفاني توركو وليامز في دعوتهما إلى هدنة إنسانية في ليبيا». وهذا ما تدعو إليه أيضاً دولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث أعلنت أكثر من مرة دعمها لكل الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار بين أطراف الصراع وضرورة استئناف محادثات السلام.
وتأتي هذه الدعوات المتكررة بينما يتواصل القتال وبشدة على أكثر من جبهة بين أطراف النزاع؛ وهناك تطورات ميدانية مهمة؛ حيث حققت القوات التابعة لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج تقدماً في بعض المناطق بعد زيادة الدعم التركي؛ حيث تحدثت مصادر إعلامية عن مشاركة سلاح الجو التركي في المعارك الدائرة في محيط العاصمة الليبية وغربها بطرق مختلفة، الأمر الذي ساعد على تغيير التوازنات نسبياً، ولكن هذا التقدم وفق مراقبين لا يزال تكتيكياً، وقد يدفع إلى مزيد من التصعيد، خاصة وأن هناك دولاً إقليمية ومن خارج المنطقة أيضاً تدعم أطرف الصراع؛ وهذا يعني أن الحسم العسكري لأي من الطرفين يبدو مستبعداً؛ ومن ثم فإن استمرار القتال لن يكون في صالح أي طرف؛ ولا يترتب عليه سوى مزيد من المعاناة للمدنيين، الذين أصبحوا بين فكي كماشة، وحياة الملايين منهم مهددة بخطر الموت إما بسبب الحرب والقصف العشوائي أو بمرض كوفيد-19، إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف تفشيه في البلاد. ومن هنا فإن الحاجة ماسة جداً وأكثر من أي وقت مضى بالفعل لهدنة إنسانية لاعتبارات متعددة:
أولاً، احتراماً لحرمة دماء الليبيين؛ فيكفي الليبيين سفك الدماء ومعاناة متواصلة منذ عقد تقريباً؛ حيث يعاني الناس الويلات منذ سقوط نظام القذافي عام 2011؛ الذي ثار عليه الناس من أجل حياة أفضل، ولكن ذلك لم يتحقق حتى اليوم بسبب الصراع على السلطة الذي لا يحكمه أي منطق؛ وصراع المصالح بين الدول الإقليمية وحتى غير الإقليمية ممن لا تخفى مطامعها في خيرات البلاد.
ثانياً، احتراماً لحرمة شهر رمضان المبارك؛ هذا الشهر الذي يجب أن يتفرغ فيه الناس لعبادة ربهم والتقرب إليه؛ وليس للقتال وسفك الدماء فيه؛ وكم كان أمراً مؤثراً، أن تركز الدعوة الأوروبية وقبلها الأممية على استغلال فرصة رمضان المبارك لإنهاء القتال؛ وهذا أمر يجب أن يتوقف عنده الليبيون ويظهروا الاحترام اللائق بشهر من شهور الله العظمى.
ثالثاً، الهدنة فعلياً مصلحة مشتركة؛ حيث يهدد فيروس كورونا الجميع دون استثناء؛ ولا يمكن لجهة مكافحته وحدها؛ لذلك لا بد من التفرغ وتكثيف الجهود لمواجهة هذا الفيروس القاتل؛ حيث تتزايد المخاوف من تفشيه في البلاد فعلاً؛ ولا شك أن انتشاره في دولة مثل ليبيا تعاني مواجهات مسلحة واشتباكات متواصلة، وتدنياً في الخدمات العامة، وهشاشة وتدهوراً في البنية الصحية، سيكون كارثياً بكل معنى الكلمة على الجميع.
إذاً على الأطراف الليبية جميعاً وبغض النظر عن المعطيات الميدانية، مسؤولية تاريخية؛ وهذه فرصة حقيقية يجب أن تُستغل، وخاصة أن هناك اهتماماً وزخماً دولياً ودعماً إقليمياً لوقف القتال والعودة إلى طاولة الحوار؛ حيث تمثل مخرجات مؤتمر برلين التي تَوَافق عليها الجميع مساراً مناسباً لاستئناف العملية السياسية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات