الجيش العراقي وتحدي تحقيق الأمن بعد الانسحاب الأمريكي

د. عبدالغفار الدويك: الجيش العراقي وتحدي تحقيق الأمن بعد الانسحاب الأمريكي

  • 4 نوفمبر 2009

كان عام 2009، ولا يزال، هو عام التحدي الحقيقي للمؤسسات الأمنية العراقية، وعلى رأسها الجيش، وذلك في ضوء تسلم هذه المؤسسات مسؤولية أمن المدن بعد انسحاب القوات الأمريكية منها في يونيو الماضي تنفيذاً للمرحلة الأولى من الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة. وتتضح خطورة هذا التحدي بالنظر إلى حقيقة أن الوضع الأمني لا يزال هشاً بكل المقاييس العسكرية والأمنية في أنحاء متفرقة في العراق، ويؤكد ذلك سلسلة التفجيرات التي سبقت وأعقبت عملية الانسحاب الأمريكي من المدن، والتي راح ضحيتها مئات العراقيين؛ حيث سجل شهر يونيو الماضي أعلى معدل للعنف؛ إذ شهد مقتل نحو 373 مدنياً وإصابة حوالي 960 آخرين، قبل أن ترتفع حصيلة الضحايا في شهر أغسطس إلى نحو 456 قتيلاً و1741 مصاباً، لتظهر تدريجياً مؤشرات الانفلات الأمني، التي كان العراق يعاني منها في الأعوام الأولى من الاحتلال.

وينبغي التسليم بداية بأن التقصير في الجاهزية الأمنية لأية مؤسسة يخضع لأربع حالات سلبية في العموم، الأولى: هي حالة الاسترخاء الأمني، والتي كانت السبب في وقوع تفجيرات لندن ومدريد. والثانية، هي حالة المهادنة المرحلية مع الجماعات التي تتبنى العنف، وقد أدى ذلك إلى انفراط عقد التواصل مع الحوثيين وتحوله إلى حركة انفصالية تهدد الدولة اليمنية. أما الحالة الثالثة فتتمثل في التجاهل المتعمد لمؤشرات الخطر، على نحو ما حدث في تفجيرات بومباي بالهند، وما حدث في باكستان وأدى إلى اغتيال بناظير بوتو. فيما تتمثل الحالة الرابعة، وهي الأخطر، في سوء التقدير المعلوماتي على نحو ما حدث في 11 سبتمبر 2001. ولا نبالغ إذا قلنا إن المؤسسة الأمنية العراقية قد مارست حالات التقصير الأربع في قلب بغداد وباقي المدن العراقية، خاصة بعد توقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما كان سبباً في تفاقم الأوضاع الأمنية في هذا البلد العربي الشقيق.

وقد عكست التفجيرات الإرهابية التي استهدفت مبنى وزارتي الخارجية والمالية في بغداد يوم 19 أغسطس 2009، والتي أسفرت عن مقتل 100 شخص وإصابة 600 آخرين، جوانب القصور هذه بشكل واضح، وهو ما اعترفت به الحكومة العراقية بشكل ضمني عندما قررت إحالة نحو 29 عسكرياً، بينهم ضباط كبار، إلى المحاكم المختصة لتقصيرهم في حماية المناطق المسؤولين عنها. بل إن وزير الخارجية، هوشيار زيباري، تحدث صراحة عن احتمال أن يكون هناك تواطؤ حدث بين ضباط في أجهزة الأمن العراقية وبين منفذي هذه التفجيرات، التي أثارت بدورها جدلاً واسعاً حول مغزاها و الهدف منها؛ إذ رأى بعض الخبراء أنها أرادت تأكيد أن الجيش العراقي والأجهزة الأمنية الأخرى غير قادرين على السيطرة على الأوضاع الأمنية بعد الانسحاب الأمريكي من المدن، على النحو الذي قد يعرقل أو يؤجل تنفيذ خطط الانسحاب الأمريكي المقرر له نهاية عام 2011، فيما رأى بعضهم الآخر أنها تهدف إلى عرقلة الجهود المبذولة لإتمام المصالحة الوطنية، والتشكيك في قدرة الحكومة على إدارة البلاد، ومن ثم إضعاف موقف المالكي قبل خوض الانتخابات القادمة في يناير 2010. 

وبعيداً عن الأسباب الكامنة خلف هذه التفجيرات وغيرها من العمليات الإرهابية الدموية التي يشهدها العراق بشكل يكاد يكون يومياً، فإنها عززت من الشكوك القائمة بالفعل حول قدرة الجيش العراقي والأجهزة الأمنية الأخرى على القيام بالمهام الأمنية المنوطة بهم بالشكل الملائم. وهذه الشكوك ترجع في تقديرنا إلى عدة أمور تعزز من صحتها، أهمها على الإطلاق مسألة الاختراق الطائفي للمؤسسات الأمنية، ومن بينها الجيش العراقي. فقد بنيت هذه المؤسسات منذ البداية على أسس طائفية لا على أسس وطنية، وبالتالي أصبحت العناصر المنتسبة لها تدافع عن مصالح طوائفها الضيقة وليس عن المصالح الوطنية للشعب العراقي، الأمر الذي كان من شأنه تقليل فعالية هذه القوات وكفاءتها في معالجة الملف الأمني.

لقد أكد الدستور العراقي في الفقرة (أ)  في المادة التاسعة ضرورة أن تتكون القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء. كما نصت الفقرة (ب) من المادة نفسها على خطر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، لكن هذه القواعد الدستورية يتم تجاهلها في الواقع العملي؛ حيث تؤكد العديد من التقارير أن الميليشيات المسلحة باتت ممثلة بعناصرها ومؤيديها داخل الجيش العراقي والحرس الوطني وقوات الأمن، وهو ما يؤكد أن التقصير لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة لحالة الولاء الموزع على فسيفساء القوى الوطنية المتناحرة على سلطة وهمية في ظل احتلال قائم.

وينبغي الإشارة إلى أنه أثناء مناقشات صياغة الاتفاقية الأمنية وما أُثير من ضجيج حولها في سنة 2007، صدر تقرير من مجلس الشيوخ الأمريكي يتضمن شهادة الجنرال "جيمس جونز" أمام لجنة القوات المسلحة بالمجلس، أكد فيها أن الجيش العراقي لا يستطيع الدفاع عن البلاد ضد أي تهديدات خارجية، لاسيما على الحدود مع إيران وسورية. وقد فسر التقرير الأسباب الموضوعية لهذا الحكم بالاستناد إلى عوامل، منها: نقص الاستعدادات اللوجيستية، وعدم وجود قيادة وطنية فعالة للتحرك والسيطرة، وتعثر تحقيق المصالحة الوطنية. كما أقر جونز أمام المجلس بأن وزارة الداخلية العراقية تعاني من حالة ضعف لأسباب عدة، أهمها: تفشي الفساد والطائفية، والبيروقراطية، وقصور التنسيق بينها وبين الوزارات الأخرى، مؤكداً إمكانية تحقيق تقدم إذا عولجت أوجه القصور المذكورة.

لقد تم إنفاق ما يقرب من 24.7 مليار دولار على إعادة تدريب البنية العسكرية والأمنية للعراق وتأهيلها حتى نهاية 2008، ولكن العائد جاء أقل كثيراً من المتوقع، وعكسه اعتراف وزير خارجية العراق بأن "الأمر يستدعي المساءلة". فإلى جانب مراجعة الخطط الأمنية، كان ينبغي مراجعة الولاءات القومية المتعددة وتوحيدها في ولاء واحد لدولة العراق. لقد غاب عن المخططين العراقيين والأمريكيين أن وحدة الهوية أهم وأسبق من وحدة التدريب، وهو ما تؤكده  الأوضاع  الأمنية الحالية التي أصبحت تشكل في بنيتها تهديداً خطيراً لمستقبل العراق إذا استمر الأمر على ما هو عليه. بل إن هناك من يخشى أن يكون التهديد القادم نابعاً من داخل المنظومة العسكرية والأمنية ذاتها، على أساس أنها قد تصبح هي نفسها طرفاً في حرب أهلية بدلاً من أن تكون مانعاً لها، إذا استمرت الولاءات الطائفية الضيقة مسيطرة على عناصرها ومنتسبيها. ويعزز من خطورة هذا السيناريو التقارير التي تتحدث عن نجاح قوى خارجية، مثل إيران، وتنظيمات إرهابية، كالقاعدة، في اختراق الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العراقية.

إن الهدف ليس إدانة النظام الأمني في العراق بقدر ما هو لفت الانتباه إلى جوانب القصور لعلاجها وتحقيق الأمن والاستقرار المنشود بعد الانسحاب الأمريكي، مع الاعتراف بأن آثار هذا الانسحاب ستكون في جميع الحالات أفضل من استمرار الاحتلال جاثماً على صدور الأمة. ومن ثم فإن المطلوب بإلحاح في هذه المرحلة هو إجراء مراجعة شاملة للنظام الأمني في العراق بكل أبعاده، وذلك على مستويين: الأول داخلي يتعلق بضبط علاقات القوي الوطنية بكل أطيافها، والثاني خارجي يرتبط بضرورة تحجيم التدخل الإقليمي في الساحة العراقية.

فعلى المستوى الداخلي ينبغي إجراء تقييم حقيقي وموضوعي للأوضاع الأمنية القائمة في هذه المرحلة الخطيرة من التحول، والتي يمكن أن نسميها مجازاً بالمرحلة الانتقالية، قبل إتمام الانسحاب الأمريكي، بهدف الوقوف على جوانب القصور ومحاولة إصلاحها، ويشمل ذلك: العمل دون إبطاء على تنفيذ الاستحقاق الدستوري الذي ينص على ضرورة إعلاء الولاء للدولة العراقية وتقديمه على أي ولاءات طائفية أو عرقية ضيقة، ورفع معدل القدرات الأمنية والقتالية للشرطة والجيش العراقيين، واتخاذ خطوات جادة لتحقيق المصالحة الوطنية بين كل القوى والجماعات العراقية، بما فيها القوى التي ترفع شعار المقاومة. والأهم من ذلك هو مكافحة الفساد؛ فالعراق من أسوأ دول العالم فساداً، طبقاً لتقارير منظمة الشفافية الدولية.

أما على المستوى الإقليمي والعربي، لا يستطيع أحد أن ينكر أن الاستقرار في العراق يصب في النهاية في صالح تحقيق الأمن الإقليمي ككل، غير أن هناك أطرافاً إقليمية ترى أن استقرار العراق يتعارض مع مصالحها، وأن استمراره في حالة البحث عن الذات، وإطالة أمدها وإبقاءه خارج معادلة القوى الإقليمية يعزز من نفوذها الإقليمي، ومن ثم تسعى هذه القوى جاهدة لفرض أجندتها باستخدام أوراقها الطائفية لتحقيق مصالحها وبسط هيمنتها كقوة مؤثرة في العراق والنظام الإقليمي ككل.

إنه سيناريو التدخل الخارجي نفسه في لبنان وغزة، واليمن، وغيرها؛ حيث تسعى قوى إقليمية إلى التدخل في شؤون دول أخرى لتعزيز نفوذها الإقليمي مستفيدة من حالة الانقسام التي تعيشها هذه الدول. لكن؛ ولأن حالة الفوضى المحتملة للعراق لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية داخل حدوده، وستمتد حتماً إلى خارج الحدود إذا خرجت عن السيطرة كما خرجت ميليشيات القاعدة من العراق إلى الخليج والمغرب ونيجيرياً والصومال، فإن على جميع القوى الإقليمية أن تدرك جيداً أن من مصلحتها جميعاً أن يعود الاستقرار إلى العراق، وأن يعود هذا البلد إلى وطنه العربي آمناً موحداً ملتزماً بقواعد الشرعية الدولية، ومؤمناً بعدم التدخل في شؤون الآخرين، وهذا لن يتأتى إلا من خلال تحرك عربي جاد وفاعل، يسعى إلى تحقيق المصالحة الشاملة في العراق، وتقديم الدعم والمساعدة اللازمة له للحفاظ على أمنه واستقراره، والتصدي للقوى الإقليمية والداخلية التي تحاول العبث بأمنه ومستقبله.

 إننا ندعو الجميع أن يعلنوا شعاراً واحداً هو "ارفعوا أيديكم عن العراق"؛ لأن شظايا الانفجارات داخله قد تصل إلى بقاع أخرى في المنطقة، كما نطالب العراقيين بأن يثبتوا أنهم قادرون على حكم أنفسهم وتحقيق الأمن والاستقرار المنشود في بلادهم، وأن  يكونوا طرفاً فاعلاً في المعادلة الإقليمية؛ لأن العرب في حاجة إلى عراق حر مستقل كقوة مضافة للقوة العربية، بعيداً عن أي نزاعات طائفية أو إقليمية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات