الجهود الإسرائيلية لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة

إبراهيم عبدالكريم: الجهود الإسرائيلية لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة

  • 22 يناير 2009

أثارت ظاهرة تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة قلقاً إسرائيلياً عميقاً، فيما شكلت الحرب الأخيرة على القطاع، من أحد جوانبها، فرصة لرد إسرائيلي متعدّد الوجوه على هذه الظاهرة، في إطار توجهات مستقبلية لحرمان المقاومة الفلسطينية من أبرز مصادر قوتها، وتحجيمها عسكرياً، وفق منحى السعي السريع إلى اقتلاع أنيابها وأظافرها وشل فاعليتها، فكيف سارت الجهود الإسرائيلية في هذا المنحى؟ وكيف تبدو صورة الأهداف المحددة إسرائيلياً؟.

ثمة ثلاثة نطاقات أساسية تستخدم لتهريب الأسلحة إلى غزة؛ أولها وأهمها؛ نطاق الشريط الحدودي بين قطاع غزة ومصر (المسمى إسرائيلياً "محور فيلادلفيا")، الذي يمتد بطول نحو 14كم، وبوجه خاص مسافة تخترقها الأنفاق تقدر بنحو 8كم، تمتد من تل زعرب غرباً حتى نهاية منطقة الجرادات شرقاً، أي شرق معبر رفح، وهي ذات تربة طينية كتيمة ومتماسكة تصلح لحفر الأنفاق. وقُدّر عدد الأنفاق قبل العدوان الإسرائيلي الأخير بأكثر من 800 نفق، تشرف عليها "مديرية الأنفاق" لدى حركة حماس وبلدية رفح، وأخذ العمل في غالبيتها طابعاً شبه علني، ويبلغ عدد العمال الذين يعملون بالأنفاق أكثر من 12 ألف عامل، ومعظم أصحابها هم من المقربين من حركة "حماس" وفصائل المقاومة أو من الذين يتعاونون معها.

أما النطاق الثاني للتهريب؛ فهو منطقة شاطئ غزة على البحر المتوسط البالغ طولها نحو 40كم، والتي يتم عبرها تمرير حاويات عائمة تلقيها السفن المستخدمة للتهريب من مناطق بعيدة، ويستفاد لإيصالها من حركة الأمواج أو بالتعاون مع أشخاص مهنيين (صيادين وغواصين، وسواهم). والنطاق الثالث؛ هو حدود قطاع غزة مع المناطق المحتلة منذ عام 1948، التي تشهد تهريباً محدوداً لبعض الأسلحة من المجال الإسرائيلي إلى القطاع، عبر تجار الأسلحة الإسرائيليين أو بعض العرب المقيمين في منطقة النقب، وتستخدم الأنفاق هنا أحياناً لأغراض تتعلق باختطاف جنود إسرائيليين (حالة جلعاد شاليط، وحالات أخرى أحبطها الجيش الإسرائيلي، منها تدمير ما وُصف بأنه "نفق متكتك" في 5/11/2008).

لقد قدّمت عمليات التهريب حلاً جزئياً في توفير المواد الضرورية لسكان غزة في ظل الحصار الخانق المفروض على القطاع، فيما أسهمت التهدئة التي تم التوصل إليها بين إسرائيل وفصائل المقاومة خلال النصف الثاني من العام الماضي، إضافة إلى استمرار الحصار وإغلاق معبر رفح، في ازدهار "صناعة الأنفاق"، التي تمثّل "أنبوب الأوكسجين" الذي يربط بين فصائل المقاومة والأطراف المتعاونة معها في مجالات حركة الأشخاص والنشطاء المدربين والتزود بالمواد الضرورية والوسائل القتالية (ومنها: صواريخ غراد، الصواريخ المضادة للدروع والطائرات، قذائف الهاون، الألغام، الأسلحة الخفيفة والرشاشات، القنابل اليدوية، المتفجرات والأحزمة الناسفة.. إلخ).

وشكلت منطقة سيناء ساحة مساعدة لنشاط فصائل المقاومة؛ فحسب تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت (5/5/2008)، تتم في منطقة "جبل هلال" عمليات تخزين أسلحة وتدريبات على العبوات الناسفة والصواريخ وغير ذلك، حتى أصبحت هذه المنطقة بمنزلة "عمق استراتيجي لحماس" بالتعاون مع قبائل بدوية هناك وفي مناطق أخرى من سيناء، ويساعد بعض أفرادها في عمليات تهريب المعدات والأشخاص من السودان أو الصومال أو عبر البحر الأحمر، أو سواها. ومن المعروف أن العلاقات العشائرية والعائلية الوطيدة على جانبي الحدود المصرية-الفلسطينية ساعدت في تعزيز التواصل وتوفير مقومات نجاح تلك العمليات، ولاسيما أن كل من يعمل في هذا المجال يجد مصدر رزق يدرّ عليه مبالغ طائلة.

وفي مواجهة عمليات التهريب التي تتم عبر سيناء، عملت إسرائيل وفق أربعة مسارات؛ الأول: اشتراط إسرائيل خلال مفاوضات التهدئة ببذل مصر أقصى جهودها لوقف حركة النشطاء عبر سيناء ومنع انتقال السلاح إلى قطاع غزة. والثاني: المطالبة الإسرائيلية بوضع آلية لمنع تهريب الأسلحة عبر نشر قوات دولية، أو على الأقل مراقبين، على الحدود المصرية مع قطاع غزة. والثالث: تقديم الدعم الإسرائيلي لمصر للاستعانة بخبراء ومعدات هندسية متطورة توفرها الولايات المتحدة تعمل بالتعاون مع الجانب المصري للكشف عن الأنفاق ومنع تهريب الأسلحة. أما المسار الرابع؛ فقد اعتُمد منذ بدايات العدوان الإسرائيلي الأخير، ويتمثل بشن الغارات الجوية والقصف بالصواريخ والقنابل الارتجاجية وقنابل خاصة على مناطق الأنفاق، وعلى طول الشريط الحدودي عموماً، مع تدمير وتجريف التجمعات السكانية الفلسطينية الجنوبية المحاذية لهذا الشريط. وقد جرى بذلك تدمير مئات الأنفاق القائمة.

وإزاء عمليات تهريب الأسلحة عبر البحار والبلدان المختلفة، وقّعت تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل وكونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة مذكرة تفاهم أمنية-استخبارية، هي الأولى من نوعها في (16/1/2009)، تتضمن ما يمكن تسميته "إيجاد نظام أمني جديد" على الساحة الدولية، يشمل تعهد الولايات المتحدة بالعمل، بالتعاون مع حلف شمال الأطلسي وجهات أخرى، على معالجة ما سمي "مسألة تهريب السلاح" إلى حركة حماس وباقي التنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة عن طريق البحر المتوسط وخليج عدن والبحر الأحمر وشرق أفريقيا، إضافة إلى قيام الولايات المتحدة بتسريع جهودها في تدريب قوات الأمن في المنطقة، وتوفير الدعم اللوجستي لها حتى تتمكن من تحديد الأنفاق وتدميرها. كما تتضمن مذكرة التفاهم عدداً من النقاط التي تُعنى بها إسرائيل، ومنها: تعهد أمريكي بأن يعالج المجتمع الدولي مسألة تهريب الأسلحة إلى المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة، وتعاون استخباراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة لتحديد مصادر السلاح، مع التشديد على إيران والخليج والسودان، والقيام بحملة بحرية دولية في مسارات التهريب لتحديد السفن التي تحمل أسلحة إلى قطاع غزة، والاتفاق على تطوير تكنولوجيا لتحديد مواقع أنفاق التهريب، وتزويد إسرائيل بها، ووضع خطط لتطوير الاقتصاد في المنطقة لتقليص فرص عمل السكان في تهريب الأسلحة.

وبالإضافة إلى الدور الأمريكي في هذا الشأن، عُنيت إسرائيل بإشراك الولايات المتحدة في وضع "ترتيبات جديدة" لمساعدة المصريين بشكل نشط لمنع التهريب، تبدأ بالحدود مع السودان، مروراً بالأراضي المصرية وضمناً صحراء سيناء، وانتهاء بقطاع غزة. وحسب التقارير المنشورة، يمكن رصد بعض الاقتراحات التي يجري تداولها، وأبرزها: زيادة الرقابة المصرية على طول حدود السودان، وفي الموانئ المصرية وفي البحر، لمنع التهريب إلى داخل الأراضي المصرية، وتعميق النشاط الاستخباري في سيناء لإحباط وكشف شبكات التهريب، وزيادة القوة الأمريكية المرابطة في "محور فيلادلفيا" لمساعدة المصريين على اكتشاف الأنفاق بوسائل الكترونية، وإقامة جدار ضخم يؤدي إلى حصر الانتقال بمعبر رفح، وحفر آبار وزرع عبوات ناسفة على طول "محور فيلادلفيا"، وتنفيذ تفجيرات تهدم الأنفاق القائمة وتمنع حفر أنفاق جديدة.

وعلى الصعيد الدولي، كان للموقف الأمريكي دور في تضمين قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1860 الصادر في 8/1/2009 بشأن وقف إطلاق النار في غزة، نصاً يدعو إلى "منع التجارة السرية في الأسلحة والذخائر"، وهو نص يخدم عملياً مصلحة إسرائيل.

ولدى التدقيق في تفاصيل الجهود الإسرائيلية والأمريكية المتعلقة بمواجهة عمليات تهريب الأسلحة وحركة المقاتلين لصالح فصائل المقاومة في قطاع غزة، يبرز معطى في غاية الخطورة، يتلخص بأن محصلة هذه الجهود ونتائجها ستزيد إعاقة تلك العمليات، وتوفر شروطاً مريحة لإسرائيل، في المجالين العسكري والسياسي على حد سواء، وبالتالي امتلاك مزيد من عوامل القدرة الإسرائيلية الساعية لخنق العمل الفلسطيني المقاوم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات