الجامعة العربية والتطورات الليبية

  • 31 مارس 2011

يبدو موقف جامعة الدول العربية مما يجري داخل دولة عضو فيها، هي ليبيا،  موقفاً غير مسبوق بكل المعايير، ولذلك فإن تحري مضمونه وتفسيره واستشراف مستقبله على الجامعة العربية خاصة، والنظام العربي عامة، كلها أمور جديرة بالتوقف عندها.

عندما التأم شمل الدورة العادية الأخيرة لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في الثاني من مارس2011 تأكد النهج غير التقليدي الذي عالج به المجلس شأن الثورة في ليبيا، والذي انطلق من اتخاذ موقف معارض لنظام حكم في دولة عضو في الجامعة بخصوص تطورات داخلية في هذه الدولة. كان المجلس قد بدأ اجتماعه وقد صدر أصلاً قرار سابق على انعقاده على مستوى المندوبين الدائمين بوقف مشاركة الحكومة الليبية في اجتماعات مجلس الجامعة وجميع المنظمات والأجهزة التابعة، بسبب موقف هذه الحكومة تجاه ما يجري داخل ليبيا من أحداث. أما اجتماعات الدورة ذاتها فقد خصص فيها المجلس بنداً متقدماً وتفصيلياً تحت عنوان "المستجدات الخطيرة التي تشهدها ليبيا"، وأصدر المجلس في هذا الصدد اثني عشر قراراً يمكن من خلالها، وبسهولة، ملاحظة أن تكييف المجلس لأفعال السلطات الليبية كان حاسماً في اعتبارها "جرائم" ارتكبت بحق تظاهرات واحتجاجات شعبية سلمية. فقد أعلن المجلس (ق/1) استنكاره الشديد لأعمال العنف ضد المدنيين، وبصفة خاصة تجنيد مرتزقة أجانب، واستخدام الرصاص "الحي" والأسلحة الثقيلة وغيرها في مواجهة المتظاهرين مما يمثل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

وبعد ذلك دعا المجلس (ق/2) إلى الوقف الفوري لأعمال العنف بكافة أشكاله، والاحتكام إلى الحوار الوطني، والاستجابة للمطالب المشروعة للشعب الليبي حقناً للدماء وحفاظاً على وحدة الأراضي والسلم الأهلي الليبيين. ثم طالب المجلس (ق/3) السلطات الليبية برفع الحظر المفروض على وسائل الإعلام، وكذلك فتح وسائل الاتصالات وشبكات الهاتف، وتأمين وصول المساعدات والإغاثات الطبية العاجلة. وارتبط بهذا عدد من القرارات الأخرى ذات الطبيعة الإنسانية، كدعوة الدول الأعضاء والصديقة والمنظمات الدولية وهيئات المجتمع المدني العربية والدولية إلى تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للشعب الليبي، وقيام الجامعة بتنسيق الدعم العاجل المقدم إلى كل من تونس ومصر والسودان والصومال لإيواء رعايا هذه البلدان وغيرها من البلدان العربية وإجلاءهم، وكذلك رعايا الدول الأخرى، وتقديم الدعم العاجل لهذه البلدان على المستوى الثنائي للتخفيف من أعباء هذه المأساة الإنسانية (ق/10).

من ناحية أخرى رفض المجلس (ق/4) اتهامات ليبيا، التي وصفها بأنها خطيرة، حول مشاركة بعض رعايا الدول العربية المقيمين في ليبيا في أعمال العنف ضد الليبيين، ودعا إلى تشكيل لجنة عربية مستقلة لتقصي الحقائق حول الاتهامات والأحداث الجارية في ليبيا، وناشد السلطات الليبية توفير الحماية اللازمة لكافة رعايا الدول العربية والأجانب المقيمين على الأراضي الليبية، وتسهيل الخروج الآمن لمن يرغب منهم في ذلك، وتحمل مسؤولياتها إزاء سلامة الرعايا الأجانب وحقوقهم في ليبيا.

نأتي بعد ذلك إلى الشق السياسي من هذه القرارات، وهو يتضمن أخطرها على النحو التالي:
– تأكيد إيقاف مشاركة وفود الحكومة الليبية في اجتماعات مجلس الجامعة وجميع المنظمات والأجهزة التابعة لها إلى حين إقدام السلطات الليبية على الاستجابة لما طلبه المجلس منها(ق/8).
– الرفض القاطع لكافة أشكال التدخل الأجنبي في ليبيا، وتأكيد الالتزام الكامل بالمحافظة على الوحدة الوطنية للشعب الليبي، وعلى سيادته ووحدة أراضيه وسلامتها.
– استمرار التشاور حول أنجع السبل لحماية المواطنين الليبيين وضمان سلامتهم وأمنهم، والتشديد على أن الدول العربية "لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي في شأن ما يتعرض له الشعب الليبي الشقيق من سفك للدماء، بما في ذلك الالتجاء إلى فرض الحظر الجوي، والتنسيق بين الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي في هذا الشأن" (ق/11).
– رفع توصية إلى القمة العربية المقبلة للنظر في مدى التزام ليبيا بأحكام ميثاق الجامعة العربية طبقاً للمواد المتعلقة بالعضوية والتزاماتها (ق/12)، وهو ما قد يعني تمهيداً لفصل ليبيا من الجامعة أو تعليق عضويتها إذا استمر نظام حكمها الحالي قائماً.

لكن الأهم أن مجلس الجامعة على المستوى الوزاري عاد إلى الاجتماع في 12 مارس2011، ودعا إلى فرض حظر جوي على ليبيا بهدف حماية المدنيين، وطلب من مجلس الأمن فرض هذا الحظر، مما اتسق مع طلب الدول الغربية التي اشترطت تأييداً عربياً لفرض هذا الحظر، ولكنه تعارض مع القرار السابق للمجلس بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي دون أي طرف آخر في هذا الصدد.

ولابد من محاولة لتفسير هذا الموقف "الثوري" من الجامعة تجاه التطورات الليبية، إذ لم يسبق لجامعة الدول العربية أن اتخذت موقفاً مضاداً لموقف حكومة إحدى الدول الأعضاء بخصوص تطورات داخلية، والسوابق الشهيرة في هذا الخصوص هي تجميد عضوية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في أواخر سبعينات القرن الماضي، بعد اتهامها بتدبير اغتيال رئيس الجمهورية العربية اليمنية (وهو عمل من قبيل العلاقات بين الدول العربية)، وتعليق عضوية مصر في الجامعة بعد توقيع معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية في مارس1979 (وهو عمل يدخل في صميم العلاقات العربية-الإقليمية). أما سجل الجامعة في مجال اتخاذ المواقف من تطورات داخلية في واحدة من الدول الأعضاء فهو خالٍ تماماً، وحتى عندما تم غزو العراق في2003 لم تتبن الجامعة في عديد من المواقف التي كان ممكناً فيها بسهولة إدانة الحكومة العراقية، ولاسيما خلال وجود حاكم مدني أمريكي للعراق، أي قرار يندد بتصرف لهذه الحكومة أو حتى يستنكره، كما أن موقف الجامعة من الملاحقة الجنائية الدولية للرئيس السوداني عمر البشير لا يخفى على أحد.

وظني أن ثمة أسباباً موضوعية وذاتية تفسر هذا الموقف غير المسبوق، فمن ناحية لا يحتفظ النظام الليبي بعلاقات عربية جيدة بدليل أن أحداً لم يتحفظ على قرار  المطالبة بفرض الحظر الجوي سوى الجزائر وسورية، ومن ناحية ثانية فإن النهج الذي اتبعه النظام الليبي في مواجهة الاحتجاجات الشعبية اتسم باستخدام مفرط للقوة على نحو يصعب، إن لم يستحل، الدفاع عنه، ولاسيما أن النظام الليبي ظهر في البداية وكأنه في طريقه إلى سقوط سريع. ثم تأتي ثالثاً العوامل الذاتية التي يمكن حصرها في انقلاب المندوب الليبي الدائم لدى جامعة الدول العربية على حكومته، وبالتالي غاب من يدافع عن وجهة نظرها، وفي انتهاء ولاية الأمين العام الحالي للجامعة وعدم رغبته القاطعة في التجديد لولاية ثالثة بعد أن أعلن بحسم رغبته في خوض انتخابات الرئاسة المصرية القادمة، وبالتالي لم يكن عليه أي قيد مستقبلي في هذا الصدد.

يبقى بعد ذلك أن نحاول تقييم موقف الجامعة، ونلاحظ أولاً أنه تغير في موضوع فرض الحظر الجوي –كما سبقت الإشارة- من التنسيق مع الاتحاد الأفريقي إلى طلب فرض هذا الحظر من مجلس الأمن، وهذا يعني أن الزمام قد أفلت تماماً في هذا الخصوص من يد الجامعة العربية بإرادتها، وهو ما يظهر من السلوك اللاحق لمجلس الأمن الذي أصدر قراراً في 17 مارس2011 يفرض حظراً للطيران في مناطق من ليبيا، ويخول الدول استخدام القوة الجوية لمنع تحركات الكتائب الموالية للقيادة الليبية براً وجواً مع التعهد بعدم احتلال ليبيا أو إرسال قوات برية أجنبية إلى أراضيها. وفي 19 مارس أعطت قمة باريس التي حضرها الأمين العام للجامعة العربية الضوء الأخضر لدول التحالف المشاركة في فرض الحظر الجوي (وبينها خمس دول عربية) لبدء العمليات العسكرية التي تضمنت ضرب دبابات وآليات موالية للقيادة الليبية في شرق البلاد، وإطلاق صواريخ كروز الأمريكية لضرب منظومة الصواريخ الدفاعية الليبية وقواعد عسكرية ليبية.

وها نحن ذا نقترب من أسبوعين على بدء عمليات دول التحالف دون أن تتحقق نتائج حاسمة على الأرض، فما زالت قوات القيادة الليبية صامدة، وقد تضطر إلى التخلي عن مواقع لتعود إليها لاحقاً، ويعني هذا أن العمليات العسكرية الموجهة ضدها ليست فعالة حتى الآن. وثمة سيناريوهان مطروحان للمستقبل الآن لا ثالث لهما (لأن سيناريو النصر الشامل للقذافي مستحيل): الأول هو سقوط نظام القذافي تحت وطأة هذه العمليات أو التحلل الداخلي، والثاني أن يصمد نظام القذافي في العاصمة طرابلس وبعض المدن المحيطة بها مع توقف العمليات العسكرية لدول التحالف. وفي الحالة الأولى (سقوط القذافي) لن يكون المردود بالنسبة للنظام العربي سلبياً، بل إن الجامعة العربية ستبدو وكأنها اتخذت القرارات السليمة في الوقت المناسب، لكن السؤال سيتركز حينذاك على الثمن السياسي الذي ستطلبه قوات التحالف من ليبيا الجديدة والنظام العربي. أما في السيناريو الثاني (بقاء القذافي في غرب ليبيا) فسوف تكون ليبيا مهددة بانقسام مؤقت، وسوف يكون المردود على النظام العربي سلبياً بالنظر إلى أن "جماهيرية" القذافي ستبقى، وسيتعين على الجامعة العربية آنذاك أن تتخذ موقفًا منها قد يثير الانقسام داخل صفوف الجامعة، وقد يكون مقدمة لانقسام أكبر في النظام العربي بين دول "التغيير" و"دول الوضع الراهن".

Share