الثورات تعمم أولوية الإصلاح

  • 13 مارس 2011

في العقد الماضي بلغت تكنولوجيا الاتصالات ذروتها على مستوى العالم كله، ومنه العالم العربي، فغدا التواصل خصوصاً بين أبناء الأجيال الجديدة نشاطاً خارجاً على سيطرة الدول، ثم صار متمرداً عليها. التواصل عنى الوعي، وهو الآن يعني الحرية أو السعي إليها. والوعي عنى تشريح الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما لبث أن راكم قناعات جماعية، إلى أن انتظم في مطالب محددة، وأنتج أخيراً ديناميات تحرك من أجل التغيير.

الثورات التي تملأ المشهد العربي حالياً تبدو مثل الوليد المتأخر الذي جاء بعد محاولات عديدة بددتها إجهاضات متتالية. وإذا كان جيل الشباب هو الذي يقودها ويخوضها، فلأن أجيالاً شابة سابقة أخفقت، أو بالأحرى قمعت وسحقت، ولأن السلطات ظنت أن هذا الجيل سيلتزم الاستكانة لأنه تعلم الدرس ممن سبقه. لكن الوقائع بينت أن توقعات الأنظمة والحكومات كانت خاطئة.

وفي العقد الماضي أيضاً بلغت ضغوط السياسة، المحلية والدولية، ذروتها عربياً. ولا شك أن أحداث الإرهاب وحرب العراق وما رافقهما من نقاش قد هزت الضمائر وفرضت صراعات شتى، وكذلك مراجعات فكرية. ومن الطبيعي أن الحديث الملّح عن الدمقرطة والإصلاح وحقوق الإنسان وتمكين المرأة وتأهيل الشباب، قد زرع شيئاً في النفوس والعقول. كان ذلك الحديث موجهاً خصوصاً إلى الحكومات التي قاومته واعتبرته تدخلاً في الشأن الداخلي وعبأت المجتمعات ضده كونه بمنزلة عدوان متفرع عن "الحرب على الإرهاب"، إلا أنه تنكر بلباس النصح والتوجيه. واللافت أن الثورات الراهنة لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أنها استرشدت المشاريع الأمريكية، ربما لأنها انبثقت واقعياً من داخل المجتمعات ومن صميم معاناتها.

ساهم هذان العنصران، التواصل الممكن والرغبة في التغيير، في إنضاج حالات احتجاج لم تخف طابعها السلمي، بل اتخذته عامل قوة لها، أما السلطات التي لجأت إلى وسائلها التقليدية وأسالت الدماء فوجدت العالم كله مصدوماً بسلوكها. كان الوضع النفسي جاهزاً ينتظر الإشارة، أو بالأحرى الشرارة، فجاءت من حيث لا يتوقع أحد، من تونس. ومع سقوط رئيسها، راحت الأضواء تسلط على الحالات المشابهة، بل وضع العالم العربي كله تحت مسبار ضوئي (سكانر) لرصد الاختلافات الإيجابية التي يمكن أن تقي هذا البلد أو ذاك احتمال الهزات الاجتماعية، أو السلبية التي تؤكد أن هذا البلد أو ذاك مرشح لمطالبات بالتغيير.

لعل السمات الموحدة بين حالات الثورة الراهنة هي: الحكم المزمن الذي لم يفطن إلى تجديد دمائه وبالتالي لم يعط للأجيال المتناوبة حظوظها وفرصها، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة وارتفاع نسب البطالة والفقر، وكذلك تفاقم ظواهر الفساد داخل بطانة الحكم وأعوانه وتحولها إلى تسلط وإساءة استخدام للسلطة أو توظيفها للمصالح الخاصة، ومع وجود الفساد والتسلط نشأت طبقة مستفيدة تعتبر أن أي إفساح للحريات أو احترام للقوانين يعني تهديداً مباشراً لمصالحها. وهكذا بدت توليفة الحزب الحاكم زائد زمرة من رجال الأعمال زائد المؤسسة الأمنية كوصفة جهنمية لا علاقة لها بمفهوم الدولة والمؤسسات ورعاية شؤون الناس، بل أظهرت الدولة ككيان عدواني يعمل لمصلحة فئة صغيرة ضد الشعب كافة.

لا تزال ثورتا مصر وتونس رائدتين سواء في حضارتيهما وسلميتيهما، رغم سقوط مئات القتلى، إلا أن التغيير في اليمن وليبيا يبدو أكثر صعوبة؛ لأنه في الحالتين لم يشكل الجيش عنصر حسم وضمان للمستقبل، كما أن الطابع القبلي للمجتمع يستخدم من جانب النظام للتشويش على الإجماع الوطني. لكن الأمر الواقع هو أن هذين النظامين فقدا إمكان الاستمرار كما لو أن شيئاً لم يحدث. ويبدو أن سقوط المؤسسة الأمنية والحزب الحاكم في تونس، وإلى حد ما في مصر، أشاع مخاوف متزايدة في الدول الأخرى باعتباره تطوراً منطقياً لسقوط النظام نفسه.

لكن السمة الأكثر أهمية في هذه الحركات، كما يمكن أن نلاحظها في دول أخرى مثل البحرين، هي أن الشعوب ليست مختلفة عن بعضها بعضاً. فالمطالب قد تكون أقل من سقوط النظام، وقد تقتصر ظاهرياً على شؤون خدماتية، إلا أن مسألة الحريات والحقوق المدنية لا تلبث أن تفرض نفسها. وفي هذه النقطة تحديداً لا يمكن استثناء أي شعب أو بلد عربي، وإن كان ممكناً التمييز بين حالة وحالة بحسب المعطيات المحلية والسلوكيات العامة للحكم. لكن العلة تكمن في المفهوم المتوارث لممارسة السلطة، وفي غياب القانون عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو في عدم تنفيذ القوانين متى وجدت.

لا يمكن اعتبار ما يحدث هبّة شعبية هنا، وتقليداً لها هناك؛ لأن النتائج التي تتمخض عنها كبيرة وجذرية وتأتي في وقت تعاظم معه الوعي بضرورة إرساء الدول على أسس دستورية، وعلى احترام لإرادة الشعب وإشراكه في القرار. وفي النهاية يبدو واقعياً أن الأنظمة القائمة، التي باتت مرفوضة، فقدت الأهلية للقيام بالإصلاحات المطلوبة؛ لأنها إذا فعلت تكون تجرد نفسها من الأدوات التي اعتادت على استعمالها لإدارة البلاد وممارسة السلطة. ومن هنا فإن التغيير مطلوب ليس فقط في البلدان التي تشهد احتجاجات أو محاولات للاحتجاج، وإنما في الدول التي تعرف حكوماتها أن لديها تراثاً من عدم تفعيل القوانين وعدم احترام الحريات وحقوق الإنسان، بمقدار ما تعرف أن لديها فساداً قطع شوطاً طويلاً في التمأسس حتى بات جزءاً من طبيعة السلطة والدولة.

في أي حال برهنت الثورات الراهنة أن كل "الجمهوريات" العربية التي حاولت أنظمتها فرض تقاليد ملكية على شعوبها انتهى بها الأمر إلى شرخ هائل بين الدولة والمجتمع. وحتى في الحالة التي تبدو ناجحة ومستقرة، كما في سورية، حيث جرى توريث الحكم، لا ينبغي الاعتقاد بأن الشعب ينظر إلى الأمر على أنه حق تاريخي مكتسب. وإذا لم تكن هناك ملامح واضحة لانتفاضة شعبية فهذا لا يمنع النظام من المبادرة إلى إصلاحات، وإلى تطوير الاستقرار وإتاحة الحريات العامة.

أما الملكيات أو ما يعادلها، فلديها فسحة واسعة لإدخال تحسينات جوهرية على أساليب الحكم وقوننة العلاقة مع الشعب والاعتراف بالمواطنة والتخلص من عقدة الحريات بإيجاد المعادلة الاجتماعية المتوازنة لها. ذلك أن الشعوب تبدي أكثر فأكثر ميولاً إلى الحفاظ على استقرارها، لكن بعد الاطمئنان إلى سيرورة الدولة والنزاهة في إدارة الاقتصاد والأمن.

لا شك في أن تغييراً في مجموعة دول عربية سيحدث دينامية يفترض أن تعم المنطقة، والأفضل أن يأتي التغيير من داخل الأنظمة، ما يتطلب منها تخطياً لذاتها واهتماماً أكبر بمستقبل البلاد. فخلافاً للقاعدة القديمة بأن الطريقة الفضلى للحكم هي بإحكام السيطرة وإحباط الحريات وتكريس البنى القائمة وتصوير كل ما هو جامد على أنه مؤشر استقرار، أصبح الحكم على العكس بإشراك الشعب في المسؤولية واعتبار تجديد الوجوه تجديداً للأفكار والرؤى وخطط العمل؛ ذلك أن الدول الناجحة هي التي تعيش في حال إصلاح مستدام.

Share