التوطين … مسؤولية وطنية مشتركة

  • 30 يونيو 2003

مازالت الإحصاءات التي يعلنها الوزراء والمسؤولون في الدولة عن توطين الوظائف تراوح مكانها، ولم تزل مؤشرات التوطين في القطاع الخاص دون مستوى الطموح. وآخر هذه التصريحات الرسمية أن القطاع الخاص يشكل نحو 52,1% من إجمالي حجم العمالة في الدولة، يضم نحو 2% فقط من حجم العمالة المواطنة التي تشكل بدورها نحو 10% من إجمالي القوى العاملة. ومن المؤكد أن هناك مسؤوليات اجتماعية ينبغي للقطاع الخاص ولرؤوس الأموال الوطنية القيام بها، فقضية التوطين ليست نوعا من الترف الاجتماعي بقدر ما هي مسؤولية وطنية وهدف استراتيجي حيوي يستوجب تضافر الجهود كافة على المستويين الشعبي والرسمي، وتغليب المصالح العليا للدولة على النزاعات والرؤى الفردية الضيقة، فالأمر يستوجب إذاً توافر قناعات ذاتية بأن التوطين ليس مسؤولية القطاع الحكومي فقط بل هو بالأساس قضية وطنية مشتركة، وهو أيضا من بين الثوابت التي لا تقبل تأويلا أو تفسيرا، فصحيح أن خطط التوطين تتطلب سنوات عديدة لتنفيذها كي تتم بطريقة تدريجية لا تؤثر في خطط التنمية، ولكن الثابت أيضا أن دور الدولة ضمن ما يعرف باقتصادات السوق لم يعد ينسحب على إيجاد فرص العمل للشباب، بقدر ما يركز على توفير المناخ الملائم الذي يشجع القطاع الخاص على العمل والاستثمار والإنتاج وبالتالي توفير فرص عمل لأجيال واعدة من الشباب، وهم قطاعات عريضة استهدفتهم خطط التنمية منذ البدايات الأولى لدولتنا، انطلاقا من رؤية صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة -حفظه الله- بأن "الإنسان هو الثروة الحقيقية"، وهو أيضا الهدف من وراء خطط التنمية القائمة على ترسيخ قيمة الانتماء للأرض على اعتبار أن الإحساس بحق المواطنة ينعكس إيجابا بالتبعية على المشاعر والأداء والسلوكيات الفردية، وبما يسهم في صهر القدرات والأفكار من أجل خدمة الوطن.

وبالطبع لا يختلف اثنان على أهمية توطين القطاع الحكومي في الدولة، ولكن تنفيذ سياسات التوطين بخطط أسرع يتطلب أيضا مشاركة فاعلة من القطاع الخاص، كما أن دعم سياسات التوطين في القطاع الخاص تحتاج في المقابل إلى مساندة قوية من جانب النخب الثقافية والإعلامية من أجل تشكيل اتجاهات وبلورة قناعات ذاتية بالأهمية الاستراتيجية لهذه القضية، فضلا عن تعديل الصور الذهنية النمطية التي التصقت في مخيلة الشباب حيال بعض الوظائف الحرفية أو الإدارية، إذ يربط البعض في كثير من الأحيان بين المكانة الاجتماعية للفرد من ناحية والوظيفة من ناحية ثانية دون النظر إلى تطور الفكر الإنساني الذي انتهى إلى فكرة تقسيم العمل وإعلاء قيمة التخصص دونما علاقة بين العمل وسلّم المكانة الاجتماعية التي يكتسبها الفرد تلقائيا من خلال مساهمته الفاعلة في دفع عجلة الإنتاج والتنمية، وهو أمر يستحق بالفعل مساندة إعلامية مؤثرة ودائمة تستهدف تطوير "ثقافة العمل".

وهناك عوامل عدة يمكن أن تسهم في دفع التوطين بالقطاع الخاص، منها الربط بين خطط التوطين وخطط معالجة التركيبة السكانية والعمل في هذين المجالين على مسارات متوازية، كما أن ذلك يتطلب أيضا ضرورة الربط بين الاحتياجات المستقبلية لسوق العمل والسياسات التعليمية، بحيث يتم ترشيد الثانية للوفاء باستحقاقات الأولى.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات