التوطين قضية اقتصادية شاملة

  • 12 يناير 2003

لاشك في أن عملية توطين القوى العاملة في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون هي جزئية فقط من كل شمولي لا يتجزأ، وهو توطين الاقتصاد بأبعاده وعناصر إنتاجه كافة من رأس مال وعمل وتنظيم وإدارة وتكنولوجيا وأرض، فالحسابات الاقتصادية تضع توطين ملكية المنشآت الاقتصادية وإداراتها من بين أولويات التوطين بمفهومه الشامل. وتنبع أهمية توطين ملكية المنشآت الاقتصادية باعتبارها الأساس لتوطين الجوانب الاقتصادية الأخرى كافة، كما تصعب مهمة توطين الوظائف وربما تقل أهميتها الاقتصادية كذلك إذا كانت المنشآت الاقتصادية نفسها غير موطنة. وإذا كان الاهتمام بتوطين القوى العاملة يبرزه جزئيا الضغط على ميزان المدفوعات نتيجة للمبالغ المالية الضخمة التي تحولها العمالة الوافدة إلى بلادها سنويا، فإن المنشآت الاقتصادية التي تؤول ملكيتها جزئياً أو كليا إلى جهات غير مواطنة تحقق أرباحا طائلة، مستفيدة من السوق المحلية وتسهيلات القروض من البنوك المحلية، وتحوّل إلى خارج الدولة مبالغ طائلة من أرباحها تقدر بأضعاف ما تحوّله العمالة الوافدة، وحسبنا أن نعلم بأن هناك أكثر من 100 ألف منشأة اقتصادية في الدولة حاليا تؤول ملكيتها لغير االمواطنين، وإذا كان الاهتمام بعملية توطين القوى العاملة نابعا جزئيا من الضغط على الخدمات والمرافق العامة والسلبيات الأخرى العديدة التي يفرزها الوجود الكبير للعمالة الوافدة، فإن للمنشآت الاقتصادية التي يمتلكها الأجانب جزئيا أو كليا دورا سالبا لا يقل تأثيرا عن ذلك الذي تفرزه العمالة الوافدة، خاصة أن هذه المنشآت نفسها هي التي أسهمت بشكل مباشر وفعّال في استقدام تلك العمالة. وإذا كان الاهتمام بتوطين القوى العاملة نابعا جزئيا من القلق إزاء هيمنة العمالة الوافدة وتأثير ذلك في توجيه الاقتصاد نحو الغابات المنشودة، فإن ملكية المنشآت الاقتصادية من حيث السيادة الاقتصادية جديرا أيضاً بالاهتمام.

يعرف الاقتصاديون جيدا أن النظرية الاقتصادية تفرق ما بين الإدارة والقوى العاملة من حيث المعنى والمضمون، حيث إن لكل منهما دورا يختلف جوهريا عن الآخر في العملية الإنتاجية. فالحديث عن توطين إدارة المنشآت الاقتصادية يعني توطين متخذي القرارات في هذه المنشآت، بما فيها قرارات توطين وتشغيل القوى العاملة نفسها مواطنة كانت أم وافدة. وأن نداءات وخطط توطين القوى العاملة في منشآت القطاع الخاص جميعها لا تجد الاستجابة المطلوبة بسبب أن أغلبية الإدارات القائمة على أمرها هي نفسها غير مواطنة. والدعوة إلى توطين الإدارة هي دعوة إلى توطين الكيف بموازاة الكم، فهي توطين لمن يقوم باتخاذ قرار توطين الوظائف وينفذه عملياً.

كل ذلك يستدعي ضرورة أن يتم التعامل مع قضية التوطين باعتبارها قضية اقتصادية واجتماعية شاملة، مما يتطلب استراتيجيات خاصة بتوطين الإدارة إلى جانب تلك المتعلقة بتوطين القوى العاملة، وأخرى خاصة بتوطين رأس المال والتكنولوجيا، حتى نتمكن من بناء اقتصاد "وطني" في موارده وأبعاده كلها.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات