التوطين… تلقائي أم إلزامي؟!

  • 27 فبراير 2011

ثمّة توجه لدى وزارة العمل للتراجع عن خطط التوطين الإلزامي في بعض قطاعات العمل الخاص كالبنوك والتأمين والتجارة العامة، والتي كانت قد فرضت من قبل الحكومة منذ أكثر من عقد وبنسب تقدر بـ 4٪، 5٪ و2٪ على التوالي.

بعد هذه الفترة، وهي ليست بالقصيرة، يبدو أن القائمين على سياسة التوطين قد توصلوا إلى نتيجة مؤداها أن هذا الإجراء الإلزامي لم يؤد إلى حل إشكالية غرس العنصر المواطن في مختلف قطاعات العمل بالدولة. ومع الاعتراف بوجود نجاحات نسبية ملحوظة تحققت في قطاع البنوك والمصارف الذي تجاوزت نسبة التوطين في بعض مؤسساته ما يقرب من 25٪، فإن الصورة الإجمالية لعملية التوطين لم تحقق الهدف المطلوب في نظر الحكومة قبل الآخرين، ومن هنا فإننا بانتظار الآليات التي ستتخذها الوزارة المعنية لتفعيل عملية التوطين التلقائي أو الاختياري البعيد عن نبرة الإجبار أو الإلزام.

وقبل أن نسمع أو نشاهد تلك الإجراءات، فإن علينا توضيح حقيقة قد تكون غائبة عن البعض، وهي أن عملية التوطين ليست مجرد عملية توظيف فردية، بمعنى أن يحصل المواطن على العمل في مؤسسات الدولة بمختلف قطاعاتها العامة والخاصة، فهذا الأمر لم يتوقف يوماً في كل المجالات، وإلا تأثر الحراك الاقتصادي للمجتمع بصورة معاكسة، لكن المطلوب هو أن يكون المواطن في قلب العملية التنموية المستدامة بالدولة، أي أن يشكل عنصراً جوهرياً لا يتعرض للإحلال من قبل العمالة الوافدة، ويأخذ مكانه المميز كمورد بشري وطني يدعم الاقتصاد بجميع قطاعاته. و لن يتحقق هذا الأمر إذا لم يكن المواطن في أي مؤسسة هو صاحب القرار المباشر فيها لإدارة دفة التوطين؛ لأن العناصر الأخرى الأجنبية لم، ولن، تفكر في مساعدة المواطنين على بلوغ الترقي الوظيفي في أي قطاع، سواء أكان التوطين فيه إلزامياً أم اختيارياً.

ومع تزايد أعداد الباحثين عن العمل سنوياً من المواطنين نتيجة تزايد أعداد الخريجين في التعليمين العام والعالي يتزايد التحدي الماثل أمام القائمين بعملية التوطين؛ فهذه الأعداد تحمِّل المعنيين بالتوطين عبئاً أكبر إذا لم تتم الموازنة بين أعداد الخريجين والشواغر المتوافرة، أو التي ينبغي أن يتم توفيرها في الميزانية السنوية لكل جهة على حدة.

ويبرز هذا التحدي في الوقت الذي يواجه فيه سوق العمل تحدياً آخر يتمثل في وجود عملية تسرب واضحة للمواطنين من هذا السوق، وبأعداد تقدر بالآلاف، حسب آخر إحصاء أعلنته هيئة المعاشات. وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء اتجه إلى تعديل وضعه الوظيفي في مؤسسات أخرى، فإن الغالبية لم تتمكن من ذلك لضيق مساحة التعيينات المتاحة أمام المواطنين في القطاعين العام والخاص.

وبما أن المواطنين يمثلون حالياً أقل من 1٪ في سوق العمل الخاص بالدولة الذي تسيطر عليه العمالة الوافدة، فإن حل هذه الإشكالية المتمثلة بتوظيف العمالة المحلية يجب ألا يكون بهذا التعقيد الذي نلاحظه اليوم. فهناك طرق مختلفة يمكن من خلالها تشجيع القطاع الخاص على استيعاب أعداد أكبر من المواطنين، منها على سبيل المثال تقديم حوافز مجزية لمؤسسات القطاع الخاص التي تلتزم بسياسة التوطين، وزيادة التوعية بأهمية تحمل القطاع الخاص مسؤوليته الاجتماعية، وضرورة أن يكون مساهماً فاعلاً في عملية تنمية الوطن والمواطنين.

وتكتسب مسألة تأهيل العمالة المواطنة وتدريبها ورفع إنتاجيتها أهمية كبيرة في هذا السياق، فالمواطن لا يجب التعامل معه في سوق العمل بحسابات الكم، فأي خطة مستقبلية تسعى الحكومة إلى تطبيقها لصالح المواطن الباحث عن العمل أو حتى الراغب في الانتقال من عمل إلى آخر يحبذ فيها مراعاة اعتبارات الكفاءة المهنية من خلال خطط الإعداد والتدريب المهنية والتخصص الدقيق، حتى يصل العنصر البشري المواطن إلى مرحلة يكون فيها هو المفصل الرئيسي في قضية التوطين وعملياتها الميدانية.

وإذا كان أسلوب الإجبار أو الإلزام المطلوب الذي تم تطبيقه في عملية التوطين قد فشل في تحقيق الأهداف المرجوة منه، فإن البديل التلقائي أو الاختياري المطروح حالياً يجب أن يحاط بقوانين تبعد التوطين الصوري عن ساحة سوق العمل الذي عانى منه كثيرون بشهادة المسؤولين في وزارة العمل.

لقد أصبحت قضية "التوطين" سيمفونية مكررة؛ لأنها باتت تُطرح على واقع المجتمع بشكل يومي، ووصلت أخيراً إلى أروقة المجلس الوطني الاتحادي الذي أفصح عن وصول عدد الباحثين عن عمل بالدولة إلى ما يزيد عن 43 ألف مواطن ومواطنة، وأتبع قائد عام شرطة دبي ذلك الرقم، بآخر تقديري يشير إلى  وصول عدد الإماراتيين الباحثين عن عمل إلى نحو 80 ألف حتى العام 2015، فيما أوضحت تقديرات بعض الجهات الرسمية المسؤولة عن التوطين أن الرقم قد يصل إلى 150 ألف باحث عن العمل في غضون العقد القادم.

والوصول إلى هذه التقديرات لا يحتاج إلى معادلات رياضية معقدة، فالأمر أسهل مما نتصور؛ لأن عدد الخريجين في كل عام يقارب 10 آلاف طالب وطالبة، هذا قبل عقد من الآن، ولا شك في أن الأرقام في تزايد متوالٍ، فإذا تم تعيين نصفهم يبقى النصف الآخر بحاجة إلى قرارات التدخل السريع من قبل الحكومة، وهو ما نلمح خطواته في أروقة مجلس التوطين بالدولة.

وهذا ينقلنا إلى الحديث عن عقبة احتياجات ومتطلبات سوق العمل، أو بمعنى آخر ما يقال حول أن مخرجات التعليم بالدولة لا تتناسب البتة مع تغيرات سوق العمل. لقد أنفقت الدولة مليارات الدولارات طوال العقدين الماضيين، وبذلت كل ما في وسعها، ولا زالت تواصل ذلك المسعى من أجل ضمان مستقبل أفضل لأبنائها، وتأمين مستوى تعليم راق، ولكننا فوجئنا بأن هناك من يردد أن هؤلاء الخريجين الذين يتقنون اللغة الإنجليزية وعلوم الحاسوب مع التخصصات الفنية الدقيقة، ليس لهم نصيب في سوق العمل، بعد أن أصبحت أعدادهم في المجتمع تقدر بعشرات الآلاف، فيما كانوا قبل ذلك لا يتجاوزون المئات.

سوق العمل لدينا شأنه غريب، فهناك فرص توظيف ضخمة في القطاع الخاص تقارب المليون وظيفة وفق تصريحات المسؤولين عن السياسة العمالية في الدولة، غير أن هذه السوق لا تستوعب سوى 1٪ من العمالة المواطنة منذ عقد واحد، فهل المعادلة الاقتصادية وفق هذا المنطق سليمة؟! وإذا كان السوق ليس لديه الرغبة ولا القدرة في استيعاب عشرة آلاف خريج في كل عام، فهل ننتظر عقداً آخر حتى تصل أعداد الخريجين إلى أضعاف ما هي عليه؟ وأين موقع هؤلاء الخريجين من الإعراب الوظيفي؟

واقعياً ليس لدينا مشكلة في الشواغر الوظيفية حسب الدراسات الخاصة بالمنطقة العربية عامة والخليجية خاصة، ففي آخر تقرير على موقع "مونستر"، وهو من أكبر مواقع التوظيف في العالم، فإن عدد الوظائف الشاغرة المعلنة في دول مجلس التعاون الخليجي  بالإضافة إلى لبنان ومصر والأردن، ارتفع بنسبة 117٪ خلال الفترة ما بين نوفمبر 2009 ونوفمبر 2010، فيما ارتفع عدد الوظائف الشاغرة بنسبة 71٪ في الإمارات و136٪ في السعودية وتضاعف ثلاث مرات في قطر. وهذا يشير بشكل عام إلى تعافي الاقتصاد الوطني، بل تعتبر دولة الإمارات من الدول الرائدة في مجال الحرص على اصطياد الكفاءات المهنية للاستفادة من مساهماتها في سوق العمل بالدولة.

ويؤكد ذلك ما ورد في تقرير التنافسية العالمية لعام 2010 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي؛ حيث حازت الإمارات مراتب متقدمة ضمن التقرير، الذي يضم 138 دولة، والذي أرجع التقدم  الذي أحرزته الإمارات إلى تميزها في مرونة سوق العمل وتشغيل الكفاءات الوطنية وتعزيز الانضباط المهني، كما صنف التقرير دولة الإمارات في المرتبة الخامسة عالمياً في الحفاظ على الكفاءات الوطنية، وفي المرتبة السابعة في مجال المرونة في تحديد الأجور والمرتبة العاشرة في مجال الانضباط المهني.

إن وجود مظلة رسمية متمثلة في المجلس الوطني للتوطين، ووجود خطة استراتيجية حتى عام 2021 على مستوى الدولة، وحتى عام 2030 على مستوى إمارة أبوظبي، وعام 2050 على مستوى إمارة دبي، إضافة إلى وجود ذراع لهيئة تنمية الموارد البشرية الوطنية والهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية والمؤسسات المماثلة في بقية إمارات الدولة، وكذلك القرارات الأخيرة الصادرة عن وزارة العمل لإصلاح وضع سوق العمل بالدولة، كل هذه الإجراءات والخطط نعتقد أنها قادرة على وضع آلية واقعية للتعامل مع المشكلة التي طال أمدها إذا ما تم التنسيق المدروس بين كافة الأطراف المعنية بقضية التوطين من دون القفز على دور القطاع الخاص وأهميته، حيث يشغل الآن حوالي 16 ألف مواطن في قرابة 300 ألف منشأة اقتصادية بالدولة، وإذا ما تم رفع النسبة الإجمالية للتوطين، والتي تبلغ الآن نحو واحد في المائة إلى 2٪ فقط، فإن القضية لن يبقى لها ذكر، وهذا هو المطلوب لتمكين المواطن من الوصول إلى الوظائف الشاغرة في وطنه.

Share