التوتر بين الصين والهند.. الأسباب والسياق والانعكاسات

  • 3 يونيو 2020

تشهد العلاقات الصينية الهندية توتراً واضحاً هذه الأيام على خلفية قيام الصين بتوغل عسكري داخل الحدود الهندية، ما أدى إلى اشتباكات ومناوشات أثارت القلق من احتمال اندلاع نزاع مسلح على الحدود الممتدة بين البلدين على طول 3500 كلم، وزعزعة الاستقرار الإقليمي في منطقة يقطنها أكثر من ثلث سكان العالم تقريباً.

 

التوتر بين الجارتين الصين والهند ليس جديداً؛ بل يعد سمة عامة للعلاقات الثنائية؛ فقد دخل البلدان في العديد من الأزمات، وكانت هناك سلسلة من الحوادث الحدودية العنيفة بعد انتفاضة التبت عام 1959، عندما منحت الهند حق اللجوء لزعيم التبت الدالاي لاما؛ وبقي التوتر سيد الموقف حتى اندلعت حرب بين البلدين عام 1962 بسبب الحدود المتنازع عليها في جبال الهيمالايا؛ وقد انتهت بانتصار الصين؛ حيث لم تتلقَّ الهند مساعدات من حلفائها بسبب تزامن الهجوم الصيني مع أزمة الصواريخ الكوبية. وبعد الحرب، اندلع عدد من الاشتباكات الصغيرة بين الجانبين، ولكن لم يحدث قتال واسع النطاق.

كما شهدت العلاقة بين البلدين العديد من الأزمات الأخرى من بينها ما وقع صيف 2017 في هضبة دوكلام؛ حيث تدخلت قوات هندية لمنع فريق بناء عسكري صيني من توسيع طريق إلى داخل منطقة متنازع عليها في بهوتان، وقد استمرت تلك الأزمة 73 يوماً، وكانت الأطول وربما الأشد خطورة، وخاصة بعد تهديد الصين للهند بسحب القوات الهندية أو طردها بالقوة؛ وتوصل البلدان في النهاية الى اتفاق ساهم في إنهاء الأزمة.

وبرغم التحسن الذي شهدته العلاقات بين البلدين، وخاصة في ظل التقارب التجاري وحتى التعاون في المجال العسكري، فقد بقي التوتر سمة عامة بسبب تباين المواقف وحالة الاستقطاب التي تفرضها طبيعة النزاعات القائمة، وخاصة النزاع بين الهند وباكستان حول كشمير والنزاعات الحدودية الأخرى في المنطقة.

إذاً تنتاب العلاقات بين البلدين منذ أكثر من نصف قرن موجات متقطعة من التوتر؛ سببه بشكل عام النزاعات الحدودية ولا يمكن استبعاد التنافس الإقليمي على الهيمنة والنفوذ والموارد أيضاً.

ولا يخرج التوتر الجديد عن هذا الإطار، ولكن السياق مختلف هذه المرة إلى حد كبير، فهو يأتي بينما تشهد العلاقات بين الصين وأمريكا توتراً متزايداً في أكثر من ملف؛ في حين تشهد العلاقات بين واشنطن ونيودلهي تحسناً كبيراً، وخاصة في ظل التقارب الشخصي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، حيث يتشاركان في الكثير من الرؤى والأفكار؛ ويحاولان استغلال هذه العلاقة في خلافاتهما مع الصين؛ سواء التجارية بالنسبة لأمريكا، أو الحدودية فيما يتعلق بالهند.

كما أن هناك بعداً استراتيجياً مهماً للتوتر، يتعلق بالصراع على النفوذ الإقليمي الممتد إلى البحار شرقاً؛ حيث تعمل الصين من خلال توغلها في الحدود مع الهند، على استعراض قوتها العسكرية، ليس فقط أمام منافستها الإقليمية، وإنما كذلك أمام منافستها الكبرى على الساحة الدولية، وهي الولايات المتحدة، ودول أخرى في منطقة شرق آسيا، كاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، ترفض ادعاءات بكين المتعلقة بأحقيتها في السيطرة الكاملة على بحر الصين الجنوبي.

كما أن التوتر الجديد له صلة بقضايا خلافية أخرى، من بينها مسائل اقتصادية، حيث أصدرت الهند الشهر الماضي قراراً يلزم أي استثمارات قادمة من دول تشترك الهند معها في الحدود، بالسعي أولاً للحصول على موافقة الحكومة؛ ويهدف هذا القرار، وفقاً للمراقبين، إلى الحيلولة دون أي استحواذ على شركات هندية للصين استثمارات فيها؛ ولذلك فقد أثار القرار حفيظة الصين ووجهت انتقادات علنية له؛ لأنه يؤثر في شركاتها واستثماراتها.

وبالطبع لا يمكننا أيضاً تجاهل نقطة أخرى مهمة؛ وهي الموقف من منظمة الصحة العالمية، التي اتخذ منها ترامب موقفاً عدائياً وقرر قطع علاقات بلاده معها، بسبب محاباتها للصين، سواء فيما يتعلق بتفشي فيروس كورونا أو مكانة تايوان فيها. وتبرز الهند هنا كعامل مهم، حيث من المقرر أن يتولى هندي منصب رئيس عملية صنع القرار التنفيذي داخل المنظمة؛ ويتعين في هذه الحالة على نيودلهي اتخاذ موقف حاسم إزاء المطالب الأمريكية بإعادة تايوان كمراقب داخل المنظمة، وهو المطلب الذي تعارضه الصين بشدة لأنه يتعارض مع سياسة «صين واحدة» التي تنتهجها الصين، وبالطبع لا ترفضها أمريكا بشكل كلي؛ ولكن تستغلها في تنافسها مع بكين بشكل مثير.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات