التوتر التركي-اليوناني وآفاقه المستقبلية

تشهد العلاقات التركية-اليونانية خلال الفترة الحالية توتراً كبيراً يطرح تساؤلات حول مستقبل الأزمة القائمة بين الطرفين، واحتمالات أن يفجر هذا التوتر صراعاً مسلحاً بين أنقرة وأثينا في ظل التأزم المتصاعد بينهما.

تمر العلاقات بين تركيا واليونان بمرحلة توتر كبير في الوقت الراهن، وتتأزم على وجه قد يؤدي وفقاً لمراقبين، إلى حدوث صراع مسلح بين الجارتين. وقد تصاعدت الأزمة بين الطرفين، وهما عضوان في حلف شمال الأطلنطي، بشأن ثروات الغاز والنفط في شرق البحر المتوسط بعد أن نشرت تركيا سفينة استكشاف في المنطقة في 10 أغسطس 2020، يرافقها أسطول من السفن الحربية في المياه بين قبرص وجزيرتي كاستيلوريزو وكريت اليونانيتين. وتم تمديد بقاء السفينة في المياه المتنازع عليها ثلاث مرات.

ويمكن التأكيد أن التوتر القائم بين تركيا واليونان، وصل إلى درجة خطيرة، استناداً إلى جملة من المؤشرات، أبرزها:
– ما تحمله لغة الخطاب الخاص بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال الفترة الحالية من تهديد كبير لليونان، يشير إلى مدى تأزم الأمور بين الطرفين، فيوم السبت الماضي وفي كلمة له خلال افتتاحه مدينة طبية في إسطنبول حذر أردوغان اليونان، وقال إن لبلاده «القوة التي تمكنها من تمزيق الخرائط والوثائق المجحفة التي تفرض عليها»، في إشارة إلى المناطق المتنازع عليها بين أنقرة وأثينا. وتابع الرئيس التركي مشدداً «إما أن يفهموا بلغة السياسة والدبلوماسية، وإما بالتجارب المريرة التي سيعيشونها في الميدان». لافتاً النظر إلى أن «تركيا وشعبها مستعدان لأي سيناريو والنتائج المترتبة عليه». ولا شك أن هذا الكلام خطير للغاية.

– أن تركيا كانت قد بدأت، وفقاً لما أعلنه مسؤولون عسكريون أتراك، تدريبات عسكرية تستمر خمسة أيام في «جمهورية شمال قبرص التركية» التي لا تعترف بها سوى أنقرة.
– في مقابل التصعيد التركي، ضدها، ردت اليونان بإجراء مناورات بحرية مع العديد من حلفاء الاتحاد الأوروبي، الذي يميل إلى دعم موقف أثينا، كما هو واضح بشكل كبير في موقف فرنسا، وهذه المناورات لم تكن بعيدة عن التدريبات الأقل حجماً التي أجرتها تركيا بين قبرص وكريت الأسبوع الماضي.

– أعلنت اليونان، مساء الخميس الماضي، أنّه لا محادثات مقرّرة بينها وبين تركيا لتخفيف التوترات المتزايدة بينهما في شرق المتوسط، نافية بذلك ما أعلنه حلف شمال الأطلنطي من أنّه سيستضيف «محادثات تقنية» بين أثينا وأنقرة. وقالت وزارة الخارجية اليونانية في بيان إنّ «المعلومات التي جرى الكشف عنها بشأن مفاوضات تقنية مفترضة في حلف شمال الأطلسي لا تتّفق والواقع». وشددت على أن «وقف التصعيد لن يحدث إلا بالانسحاب الفوري لجميع السفن التركية من الجرف القاري اليوناني».

والحاصل أنه إذا لم تكن هناك فرصة لحوار تركي-يوناني، فإن ذلك يعني استمرار تصاعد الأزمة القائمة بين الطرفين بشكل أكبر، ولكن وصولها إلى مرحلة الصراع المسلح ليس بالاحتمال اليسير، فالطرفان يدركان أن هناك خسائر كبيرة ستلحق بهما في حالة حدوث مثل هذا الصراع، ويضاف إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي يضغط بشدة على تركيا لوقف تصعيدها ضد اليونان والانخراط في حوار ثنائي أو متعدد الأطراف لحل الأزمة بين الطرفين، وقد حض الاتحاد الأوروبي تركيا أكثر من مرة على وقف أنشطة التنقيب مهدداً بفرض عقوبات عليها في حال رفضت حل النزاع من خلال الحوار. وقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بشكل صريح إنه إذا لم تنخرط تركيا في محادثات مع اليونان، فإن التكتل الأوروبي سيضع قائمة بمزيد من العقوبات خلال اجتماع للمجلس الأوروبي في 24 و25 سبتمبر الجاري، ومعنى ذلك أن هناك رادعاً أوروبياً للتمادي التركي، وهو ما يصب أيضاً في سبيل تقليص فرص تحول الأزمة إلى صراع مسلح.

Share