التوترات التجارية بين واشنطن وبكين ليست أقل خطراً من «كورونا»

منذ أن قرَّر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في عام 2018، فرض رسوم جمركية على واردات بلاده من دول عدَّة، أهمها الصين، بدأت الحركة التجارية العالمية تعاني تراجعاً ملموساً في النمو؛ ليأتي انتشار فيروس «كورونا» المستجد في مطلع العام الجاري، ويعصف أكثر بحركة التجارة، من خلال سياسات الإغلاق التي اتخذتها حكومات الدول لاحتواء الوباء.
أصدر صندوق النقد العربي، مؤخراً، دراسة بعنوان «التوترات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين: أسبابها وآثارها في الاقتصادات العربية»، أشار فيها إلى أن التوترات التجارية التي نشبت بين الدولتين، وبعض شركائهما التجاريين، تركت تداعيات على الاقتصادات العربية، وعلى كل من الاقتصاد الأمريكي والصيني؛ حيث توقعت الدراسة أن تنعكس آثار التوترات على اقتصادات 13 دولة عربية، هي: السعودية، ودولة الإمارات، وعُمان، وقطر، والكويت، والبحرين، والعراق، والجزائر، وليبيا، ومصر، والمغرب، والأردن، والسودان.
وقالت الدراسة إن التوترات التجارية ستؤثر في مجموعة من قنوات الاقتصادات العربية أهمها: الطلب الخارجي، والأسعار العالمية للنفط، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فبخصوص الطلب الخارجي تُعَدُّ الدول العربية من أكبر المناطق الجغرافية انكشافاً على الاقتصاد العالمي ويتجسد ذلك في مساهمة الطلب الخارجي من إجمالي الطلب الكلي في الدول العربية، الذي يصل إلى نحو 48%، إضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين من أهم الشركاء التجاريين للدول العربية؛ إذ يستوعب السوقان نحو خُمْس صادرات هذه الدول.
وحول آثار التوترات في الأسعار العالمية للنفط؛ فقد رأى «الصندوق» أن انخفاض مستويات الطلب على النفط في ظل ارتفاع مستويات عدم اليقين، وتراجع مستويات ثقة المستثمرين والمستهلكين، تسبَّب بتراجع الأسعار العالمية للنفط؛ كما تسببت التوترات التجارية بتراجع الطلب على النفط من 1.5 مليون برميل يومياً في عام 2018 إلى 980 ألف برميل يومياً في عام 2019، وبالتالي انخفض مستوى الأسعار بما يقارب 10% خلال العام الماضي. وفيما يتعلق بأثر التوترات المُحتمل في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؛ فإن الأثر يظهر بالعودة إلى مسارات السياسة النقدية التقليدية في بعض الاقتصادات المتقدمة في عام 2018، وانخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول النامية من جرّاء انخفاض ثقة المستثمرين؛ وهو ما ظهر جلياً في تراجع المتوسط السنوي لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول العربية من 49 مليار دولار خلال الفترة (1995-2010) إلى 36 مليار دولار سنوياً خلال الفترة (2011-2018).
كل هذه المخاطر القائمة والمحتملة، بوصفها من أبرز نتائج التوترات التجارية التي بدأ الرئيس دونالد ترامب ممارستها منذ أكثر من عامين، باتت تشكل أبرز التحديات التي تعصف بالنمو الاقتصادي العالمي في هذه المرحلة من عمر العالم، نتيجة تفشي فيروس «كورونا» المستجد، وما تسببت به سياسات الاحتواء في الحد من حركة النقل التجاري، وتضرُّر سلاسل التوريد، وتعطّل الحركة التجارية في معظم دول العالم. ففي هذا السياق أشار روبرتو أزيفيدو، مدير عام منظمة التجارة العالمية، في إبريل الماضي، إلى أن تأثير «كوفيد-19» في التجارة العالمية من المرجَّح أن يتجاوز الركود الناجم عن الأزمة المالية العالمية، التي حدثت في عام 2008، وأن الانكماش الاقتصادي قد يتراوح بين 13% و32% هذا العام، قائلاً إن «نمو التجارة العالمية قد توقف بالفعل قرب نهاية العام الماضي. وبحلول الربع الأخير من عام 2019 سجلت تجارة السلع تراجعاً أقل بنسبة 1% مقارنة بالعام السابق بسبب التوترات التجارية المستمرة».
لقد تحوّل النهج، الذي يصفه خبراء بـ «التصادمي» للرئيس الأمريكي بشأن سياساته التجارية، إلى خطر يوازي في هذه المرحلة خطر انتشار الوباء، الذي ما زال يهدد العالم بموجة أخرى من التفشي؛ ما يمثل -أي هذا النهج- أحد أبرز المعوقات في وجه تحقيق التعافي الاقتصادي بعد أزمة «كورونا»؛ فإبقاء الأسواق مفتوحة يُعدُّ الآن أمراً بالغ الأهمية؛ وستكون الحمائية التجارية معول هدم لكل ما يمكن تحقيقه من منجزات اقتصادية، خلال النصف الثاني من هذا العام، وبداية العام المقبل، ومحاولات ترامب النظر إلى شركات التكنولوجيا الصينية، مثل «هواوي» وغيرها، بصفتها تهديداً للأمن القومي والعالمي، يراها البعض مصدر قلق للعالم أكبر من فيروس «كورونا».

Share