التوافق السياسي المطلوب في العراق

  • 28 أكتوبر 2009

التفجيرات الدموية الأخيرة التي هزّت وسط بغداد، وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات، تفرض على القوى السياسية العراقية ضرورة العمل على تجاوز حالة الخلافات العميقة التي طغت على المشهد السياسي في الآونة الأخيرة، وكانت العامل الرئيسي وراء الفشل في إقرار قانون الانتخابات الموحّد، وتعقيد مشكلة كركوك، وتصاعد الأصوات المطالبة بتأجيل الانتخابات التشريعية المقبلة.

لا شك في أن توصّل المجموعات الثلاث الرئيسية في البلاد، السنة والشيعة والأكراد، يوم الإثنين الماضي، إلى حلّ وسط بشأن تعديل القانون الانتخابي الموحّد، يشكّل خطوة مهمة نحو التوافق السياسي في البلاد، وإنهاء الخلافات القائمة، ودفع العملية السياسية قُدماً إلى الأمام، لأن إجراء الانتخابات التشريعية المقبلة كان يتوقف على التوافق حول هذا القانون، وإقراره من جانب البرلمان العراقي.

وبرغم التعثر الحادث أمس عقب إخفاق رؤساء الكتل النيابية في البرلمان العراقي في التوصل إلى تسوية حول قانون الانتخابات، فإن الأمل ما زال قائماً في المضي قدماً والتوصل إلى اتفاق حول مختلف القضايا الخلافية التي كانت سبباً في التجاذبات السياسية في العراق خلال الآونة الأخيرة، وفي مقدمتها مشكلة كركوك التي لا تزال تبحث عن حل بسبب طبيعتها الخاصة، التي تثير الكثير من التعقيدات والحساسيات ذات الطابع العرقي والاقتصادي والإقليمي، وكذلك التوافق حول آليات تحقيق المصالحة الوطنية، بعد أن غابت عن دائرة اهتمامات القوى السياسية المختلفة، التي ركّزت جهودها على الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة، فضلاً عن التوافق حول القضايا الكبرى التي تتصل بمستقبل العراق، وطبيعة النظام السياسي فيه، وشكل العلاقة بين طوائفه المختلفة، وكذا شكل العلاقة مع دول الجوار.

لقد أثبتت التجربة أن التوافق السياسي هو الطريق الوحيد لبناء عراق قويّ وموحّد، قادر على مواجهة التحديات التي تواجهه، وذلك للاعتبارين التاليين: الأول أن التوافق السياسي هو بمنزلة حائط الصدّ أمام أي محاولات من جانب الجماعات والقوى الإرهابية التي لا ترى تحقيقاً لمصلحتها إلا في عراق مضطرب وغير مستقر، وتسعى إلى إعادة الفوضى إلى البلاد، بمعاودة عمليّاتها الإرهابية، وإشعال العنف الطائفي على نطاق واسع في البلاد، مستغلة في ذلك حالة الشقاق بين القوى السياسية العراقية، وذلك لإعطاء انطباع بفشل الحكومة في إدارة الملف الأمني بعد انسحاب القوات الأمريكية من المدن نهاية شهر يونيو الماضي. ولعل التفجيرات الدامية التي وقعت الأحد الماضي هي خير مثال على هذا، فهذه التفجيرات هي الأكثر دموية هذا العام، إذ أراد منفّذوها إشاعة الفوضى في البلاد، وتفجير الساحة الداخلية، ومثل هذه العمليات الإجرامية قد لا تكون الأخيرة، إذا لم تتحرك القوى المختلفة لنبذ الخلافات والعمل على تحقيق التوافق والمصالحة.

أما الاعتبار الثاني، فهو أن التوافق السياسي يحصّن الجبهة الداخلية في مواجهة أي اختراق خارجي، من جانب أي قوى تسعى إلى النيل من العراق، وتهديد أمنه ووحدته.

Share