التنمية المستدامة وتجربة الإمارات الرائدة

  • 21 يونيو 2012

تتعامل الأمم المتحضرة مع ما تملك من ثروات وموارد باقتراب مختلف عمّا كان دارجاً في العقود الماضية. فمفهوم التنمية أخذ بعداً آخر، وبات أكثر ارتباطاً بقدرة المجتمعات على القيام بعملية استدامة مدروسة لرفد أجيال المستقبل بنصيبهم من ثرواتها وإطالة أمدها إلى أقصى حد، حتى لا يستأثر جيل الحاضر بحقوق الأجيال القادمة. ومن ثم، خرجت عملية التنمية من الحالة الآنية إلى الحالة المستدامة، مع عدم التفريط بالمشروعات القائمة والتي تغذي حركة الحياة اليومية لأفراد المجتمع، حتى لا يتوقف قطار التنمية عند محطة الحاضر على حساب المحطة الأهم (المستقبل).

إن تقدم المجتمعات ورقيّها يقاس بمدى انخراطها مع الآخرين في الانطلاق نحو المستقبل، دون أن يكون للماضي أو الحاضر قيود تكبل انطلاقها نحو تحقيق الريادة في مشروعات التنمية المستدامة. وتملك دولة الإمارات تجرية ثرية ومبادرات كثيرة في مجال التنية المستدامة، الأمر الذي جعلها من الدول المتقدمة في هذا الإطار.

لقد وضعت الإمارات قرابة 22 مليار دولار للاستثمار في الطاقة النظيفة بالعاصمة أبوظبي، وحققت مكسباً على مستوى العالم عندما استضافت المقر الرئيسي للوكالة العالمية للطاقة المتجددة "إيرينا"، وأخذت أبوظبي زمام المبادرة وتأكيد التزامها بتبني حلول الطاقة المتجددة تتضمن توفير ما لا يقل عن 7٪ من إجمالي إنتاج الكهرباء في الإمارة من مصادر متجددة للطاقة بحلول عام 2020، كما أرست حجر الأساس لمدينة "مصدر" التي تعتبر أول مدينة خالية من الكربون في العالم، وقد أعلنت "مصدر" منذ البداية عن بدء أعمال مشروع "شمس 1" بقدرة 100 ميجاوات، أكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة في العالم، وبتكلفة تصل إلى 600 مليون دولار، كما بدأت أعمال بناء مصنع الألواح الكهروضوئية الرقيقة في ألمانيا، وهذا المشروع الصناعي الجديد يستخدم تقنيات إنتاج متطورة تتيح إنشاء شبكة طاقة كهربائية شمسية تكافئ شبكة الكهرباء التقليدية، فضلاً عن أنه سيساهم في دعم اقتصادٍ محلي يمتلك سجلاً حافلاً بالإنجازات في مجالي التصنيع والتكنولوجيا، وتمثل المنشأة الألمانية التي تبلغ تكلفتها الإجمالية 230 مليون دولار أمريكي (150 مليون يورو) المرحلة الأولى من استثمار "مصدر" البالغ 2 مليار دولار في مجال الألواح الكهروضوئية الرقيقة، والذي يعد الأضخم من نوعه على مستوى العالم.

وتم افتتاح "معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا"، وعقدت الشراكات وأطلقت المبادرات المشتركة في مجال البحث والتطوير بهدف توسيع النشاطات وتنويعها في قطاع الطاقة المتجددة، وتسريع عملية نشر التكنولوجيا النظيفة في العالم بهدف إنقاذ الكرة الأرضية من التلوث البيئي المدمر، خاصة عندما نعلم بأن عدد سكان العالم سيزيد عن 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، وبالتالي سيتضاعف الطلب العالمي على الطاقة، كما سترتفع معدلات الانبعاثات الكربونية.

ومن المبادرات الرائدة التي تكمل الصورة على المستوى الاتحادي إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي -رعاه الله- في يناير 2012، إطلاق مبادرة وطنية طويلة المدى لبناء اقتصاد أخضر في الإمارات تحت شعار "اقتصاد أخضر لتنمية مستدامة"،  تهدف من خلالها الدولة إلى أن تكون من الرواد العالميين في هذا المجال، ومركزاً لتصدير المنتجات الخضراء وإعادة تصديرها، إضافة إلى الحفاظ على بيئة مستدامة تدعم نمواً اقتصادياً طويل المدى. وتشمل المبادرة مجموعة من البرامج والسياسات في مجالات الطاقة والزراعة والاستثمار والنقل المستدام، إضافة إلى سياسات بيئية وعمرانية جديدة تهدف إلى رفع جودة الحياة في الدولة.

وتشمل مبادرة الاقتصاد الأخضر ستة مسارات رئيسة، وهي: الطاقة الخضراء، وتشجيع الاستثمار، والمدينة الخضراء، وآثار التغيير المناخي، والحياة الخضراء، والتكنولوجيا الخضراء. وتغطي هذه المسارات مجموعة كبيرة من التشريعات والسياسات والبرامج والمشروعات. واقع الأمر، فإن استراتيجية الإمارات للتنمية الخضراء هي إحدى الركائز المهمة في "رؤية الإمارات 2021"، ويعد تطبيقها خطوة مهمة لتحقيق هدف الرؤية في أن تصبح الإمارات من أفضل دول العالم بحلول عام 2021.

وطبقاً لما تضمنته وثيقة سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الخاصة ببرنامج الطاقة النووية للأغراض المدنية، أكد خبراء ومحللون، أن توجه الإمارات إلى استخدام المفاعلات النووية في توليد الطاقة سيخفض فاتورة الكهرباء على المستهلكين بين 10 و15٪، مشيرين إلى أن تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية تقل بنحو 75٪ عن إنتاجها من الغاز.

ولإعطاء مزيد من الدفع نحو التشجيع للمضي في طريق الطاقة النظيفة للمستقبل تأتي "جائزة زايد لطاقة المستقبل"، لتشكل قوة حافزة على إيجاد حلول مبتكرة للطاقة. وتتولى الجائزة تكريم الإنجازات التي تحققها الحكومات والشركات والهيئات غير الحكومية في مواجهة أزمة التغير المناخي.

ومن المبادرات الهامة التي تستكمل مسيرة التنمية المستدامة في الدولة "مشروع محمد بن راشد للطاقة الشمسية"، حيث تعتزم إمارة دبي استخدام الطاقة الشمسية في توليد الطاقة الكهربائية بنسبة تصل إلى 5٪ في عام 2030 بقدرة إنتاجية تصل إلى 1000 ميجاواط. وتشكل هذه المبادرة جزءاً من خطة دبي الاستراتيجية المتكاملة للطاقة 2030. ولتوفير عوامل استمرار مسيرة التنمية المستدامة تعتزم إمارة دبي وفق هذه الاستراتيجية القيام بتنويع مصادر إمداد الوقود في الإمارة، ورفع معدلات استخدام الطاقة النظيفة إلى 29٪ بحلول عام 2030 باستخدام الطاقة الشمسية بنسبة 5٪، الفحم النظيف بنسبة 12٪ والطاقة النووية بنسبة تصل إلى 1٪ واستخدام الغاز بنسبة 70٪، فيما تعتمد دبي حالياً في توليد الطاقة الكهربائية على الغاز بنسبة 99٪ وبنسبة 1٪ على زيت الوقود. ويشكل مجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي نموذجاً متقدماً في إنتاج الطاقة الكهربائية، ويحقق تطلعات قيادتنا الرشيدة في السعي الحثيث نحو تنويع مصادر الطاقة، ولاسيما استخدام الطاقة المتجددة للمحافظة على المواد من الهدر والبيئة من التلوث. ومن المهم الإشارة إلى أن لدى المجلس الأعلى للطاقة في دبي شراكات هامة مع شركة أبوظبي لطاقة المستقبل "مصدر". وتعد سلطة واحة السيليكون مثالاً ناجحاً في هذا المجال، فمن خلال مشاركاتها الإيجابية في العديد من المبادرات البيئية على مدى السنوات الماضية، نجحت خلال العام 2011 في توفير نحو 4.1 مليون درهم من استخدام مياه الري، و649 ألف درهم من استهلاك المياه، وستة ملايين وخمسمائة ألف درهم من استهلاك الكهرباء.

وتساهم مشروعات إعادة تدوير النفايات في الحفاظ على نظافة البيئة من التلوث، لذا فإن حجم الاستثمارات بالدولة في هذا الصدد بلغ عام 2011 قرابة 6.6 مليار درهم. ويتمثل ذلك في مشروعات إدارة المخلفات بأنواعها، ومعالجتها، وتقليص الكميات الناتجة عنها. وتعد شركة "تدوير" المتخصصة في معالجة النفايات في الإمارات والشرق الأوسط، إحدى أذرع القطاع الخاص في إنتاج الوقود البديل والطاقة الكهربائية ومواد البناء المختلفة، عبر عمليات إعادة تدوير النفايات الصلبة وخفض نسبة انبعاث الكربون. وقد استثمرت "تدوير" نحو 200 مليون درهم في توفير البنية التحتية والخطوط الإنتاجية والتقنيات اللازمة لتحقيق هذا الإنجاز. إن قضايا إعادة التدوير أصبحت من أهم المواضيع التي تناقش في المجتمعات الإقليمية والدولية، ويعود السبب إلى نتائجها المؤكدة والموثوقة في المحافظة على الموارد، وضمان سلامة البيئة، والحد من التلوث.

لسنا هنا بصدد حصر كل المنجزات، إلا أن تلك المبادرات، سواء من  قبل الحكومة أو غيرها من القطاعات المساهمة، تساهم في تحقيق التنمية المستدامة بالدولة في جميع المجالات.

Share