التنديد الدوليّ بالاستيطان

  • 15 مارس 2010

أثارت قرارات إسرائيل الاستيطانيّة الأخيرة ردود أفعال دولية غاضبة، لم يتوقف عند موقف الولايات المتحدة الأمريكيّة فقط، التي عبّرت عن استيائها الشديد من التصرّفات الإسرائيليّة، وإنما امتد كذلك إلى "الاتحاد الأوروبي"، الذي ألمح إلى إمكانيّة استخدام روابطه التجاريّة مع إسرائيل للضغط عليها، و"اللجنة الرّباعية الدولية المعنيّة بعملية السلام"، التي ندّدت بشكل واضح بالقرارات الاستيطانية لحكومة بنيامين نتنياهو، التي جاء إعلانها في ظلّ تحركين أمريكي ودولي من أجل إحياء العملية السلميّة بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، على أن تكون البداية مفاوضات غير مباشرة من أجل بناء الثقة التي تعاني أزمة حقيقيّة.

هذا الموقف الدّولي الرافض الاستيطان بشدّة، المندّد بالسياسة الإسرائيلية، لا شكّ في أنه يضع حكومة نتنياهو في موقف صعب دبلوماسياً، ويعرّضها لضغط على الساحة الدوليّة، لكن الأمر الجدير بالملاحظة هو أن الحكومة الإسرائيليّة في سعيها إلى التعامل مع هذا الغضب العالمي لا تعالج أسباب الغضب المتعلّقة بالخطط الاستيطانية التوسعيّة، التي تهدف إلى ابتلاع أراضي القدس الشرقية والضفة الغربية، والقضاء على حلم الدولة الفلسطينية المستقلّة، وإنما تحاول تهدئة الموقف من خلال اتصالات دبلوماسيّة، وبعض المواقف التسكينيّة التي لا تمسّ خطط الاستيطان ومشروعاته الكبرى. من هذا المنطلق تأتي أهمية ما أشارت إليه السلطة الوطنية الفلسطينية على لسان كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات، الذي طالب بترجمة الإدانات الدّولية لإسرائيل إلى قرارات وسياسات ملزمة لها تجبرها على وقف النشاط الاستيطاني. لقد بات من الواضح أن حكومة نتنياهو لديها مشروع استيطانيّ ضخم تعمل من خلاله على التهويد الكامل للقدس الشرقيّة، ولذلك فإنها ترفض وقف الاستيطان كثمن لاستئناف العملية السلمية، وطرحت بدلاً من ذلك التجميد المؤقّت له، الذي لا يشمل القدس، ومن هنا فإنه قد حان الوقت لموقف دوليّ قويّ وجادّ يوجه رسالة واضحة إلى إسرائيل مفادها أنه لم يعد هناك مجال للمراوغة أو العبث أو المناورة، وأن الوقف الكامل والتام لعمليات الاستيطان هو مطلب دوليّ ملحّ، حتى يمكن أن تستأنف مفاوضات التسوية على أسس صحيحة.

التجارب تؤكّد أن إسرائيل لا تلقي بالاً كثيراً إلى المواقف المنتقدة لها مهما كانت شدّتها، ما دامت قادرة على التعامل معها دبلوماسياً، وما دامت هذه المواقف لم تتحوّل إلى سياسات على الأرض، ولذلك فإنه مهما كانت شدّة الانتقادات الدولية الأخيرة لها، فإنها إذا لم تتحول إلى ضغط عملي عليها، فستظل حكومة نتنياهو تمضي في خططها الاستيطانية المدمّرة، وأكثر ما يمكن أن تقدم عليه أن تجمّد بعض مشروعات الاستيطان غير الشرعية أصلاً.

على الجانبين الفلسطيني والعربي، فإن هناك فرصة كبيرة لاستثمار غضب العالم تجاه إسرائيل بسبب الاستيطان، في حشد مزيد من الضغط على نتنياهو وحكومته، والعمل على كسب المزيد من الدعم للقضيّة الفلسطينيّة على الساحة الدولية، على المستويين الرسمي والشعبي، وإظهار إسرائيل بمظهر الدولة غير الراغبة في السلام. ولكن لكي يتحقّق ذلك لا بدّ أولاً من تحقيق الوحدة الفلسطينيّة الداخليّة، وبناء رؤية عربية متّسقة حول عملية السلام، وأسلوب التعامل مع إسرائيل.

Share