التنافس المحموم حول غاز «شرق المتوسط» ينذر بتفجّر صراعات مسلحة

تشهد منطقة شرق البحر المتوسط تنافساً محموماً على الطاقة، خاصة بعد الاكتشافات الأخيرة لحقول الغاز التي قدرت بـ 130 ترليون قدم مكعب، وما يفاقم من حدة التنافس ويزيد من فرص الصراع هو تداخل الحدود البحرية لمعظم، إن لم يكن كل، الدول المطلة أو المشاطئة للبحر.

يعتبر البحر المتوسط أكبر بحر في العالم حيث تبلغ مساحته 2.5 مليون كيلو متر مربع؛ وهو يتمتع بموقع حيوي تاريخياً، وتتعاظم أهميته الجيوستراتيجية، وذلك لاعتبارات عدة في مقدّمتها موقعه الذي يتوسط الأرض تقريباً؛ حيث يربط أقدم ثلاث قارات في العالم وأكبرها أيضاً (آسيا وإفريقيا وأوروبا)؛ وتطل عليه 23 دولة ما يجعله البحر الذي يطل عليه أكبر عدد من الدول في العالم؛ وهو في الحقيقة بحر شبه مغلق؛ حيث يحاط بالكامل تقريباً بالبر أو اليابسة.

العامل الثاني الذي يعزز أهمية البحر المتوسط هو أهميته للملاحة والتجارة العالمية، فهو من أهم طرق النقل البحري المزدحمة في العالم؛ إذ يقدر عدد السفن التجارية التي تعبره سنوياً بـ 220 ألف سفينة تجارية تحمل أكثر من 100 مليون طن، أي ثلث الشحن التجاري الكلي في العالم، يلي ذلك اعتباره ملتقى الحضارات والثقافات، حيث أسهم تاريخياً في توثيق التبادل الثقافي بين الأمم والشعوب؛ ويربطه بالمحيط الأطلسي مضيق جبل طارق بعرض 14 كم فقط، وبالبحر الأحمر قناة السويس.

وعلى الرغم من أهمية البحر المتوسط بالنسبة للدول المطلة عليه، وللعالم، فإنه لم يشهد تاريخياً وحتى وقت قريب صراعات تتعلق بالسيطرة أو نزاعات خطيرة باستثناء النزاع التركي-اليوناني بسبب قضية قبرص؛ بل كان البحر، على عكس العديد من البحار المشابهة مثل بحري جنوب وشرق الصين، عامل تعاون وتقارب أكبر بين مختلف الدول المطلة عليه وحتى القريبة منه، غير أنّ العامل الأساسي الذي فجر هذا المستوى من التنافس الذي ينذر بحروب وصراعات في ضوء التطورات الأخيرة وحالة التوتر المتنامية بين بعض دوله، وخاصة تركيا واليونان ومن ورائها أوروبا، وينذر بصراعات وربما حروب ما لم يتم التعاون بشأنه، هو الطاقة، وتحديداً الغاز؛ حيث يقدر المخزون المؤكد من الغاز الذي تم اكتشافه حتى الآن بـ 130 ترليون متر مكعب؛ وبرغم أن هذا الرقم صغير جداً بالمقارنة بالاحتياطي العالمي، ولا يشكل أكثر من 10% من احتياطي روسيا مثلاً، فإن أهميته ترجع إلى عاملين أولهما هو حاجة الدول المطلة عليه للطاقة لاستهلاكها الخاص؛ حيث يعد معظمها مستورداً للغاز، وثانيهما قربه بالنسبة إلى الدول المستهلكة وخاصة الأوروبية؛ حيث سيوفر الكلفة والوقت، ويتيح لها في الوقت نفسه تنويع مصادرها من الغاز ومن ثم تقليل الاعتماد على دول أبعد وفي مقدمتها روسيا، وهو أمر يعتبره الأوروبيون أكبر تحدٍ حقيقي لأمن واستقرار قارتهم.

لهذا كله فإن أهمية شرق المتوسط تتزايد يوماً بعد آخر ليس بالنسبة إلى الدول المتوسطية فقط، بل وللدول المنتجة للغاز التي ستواجه منافسة قوية في المستقبل، ليس فقط بسبب المنافسة المتوقعة، في ظل توقع اكتشافات جديدة؛ ولكن أيضاً بسبب قدرتها على إيصال غازها إلى أوروبا.

الخلافات المتصاعدة بين الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط في ظل غياب آليات أو أطر للتعاون بينها، والتي بدأت تطفو على السطح على شكل نزاعات حقيقية تتعلق بشكل أساسي بالسيادة؛ خصوصاً في الخلاف التركي -اليوناني، وبالمنطقة الاقتصادية الخالصة بالنسبة للدول الثمانية المطلة على شرق المتوسط وهي ليبيا ومصر ولبنان وسوريا وتركيا واليونان وقبرص وإسرائيل؛ التي تتداخل حدودها البحرية بشكل قد يكون غير موجود في أي منطقة بحرية أخرى في العالم؛ كل ذلك يفاقم حدة الخلافات ويزيد فرص حدوث صراعات مسلحة؛ وخاصة أن قانون البحار لم يحسم مسائل التداخل ولكنه وضع قواعد عامة للتعاون والاتفاق؛ هذا فضلاً عن أن بعض هذه الدول لم توقع القانون أصلاً؛ وتعتبر نفسها في حلٍّ من الالتزامات التي يفرضها؛ فضلاً عن الخلافات السياسية بين كل هذه الدول، حول العديد من الملفات والأزمات الإقليمية الأخرى التي تزيد المشهد تعقيداً.

Share