التمسّك بالوحدة في‮ ‬ليبيا

  • 8 مارس 2012

إقدام زعماء قبائل وسياسيين ليبيين، أول من أمس، على إعلان برقة في شرق ليبيا “إقليماً فيدرالياً اتحادياً” يتمتع بالحكم الذاتي وتأسيس مجلس انتقاليّ للإقليم وتعيين رئيس له، أثار القلق على مستقبل ليبيا كدولة موحّدة، وكان بمنزلة خطوة مخالفة للمسار العام الذي تسير فيه البلاد منذ إطاحة نظام حكم معمر القذافي، وهو مسار أكد ويؤكد وحدة الأراضي الليبية في إطار سلطة مركزية تندرج تحتها المناطق والأقاليم كلها.

لقد كانت الوحدة هي العنوان الأساسي لحركة الشعب الليبي في رفض حكم القذافي، وهو ما مثّل مصدر قوة أساسياً لهذه الحركة وشجّع العالم كله على الوقوف إلى جانبها حتى حقّقت أهدافها، ولا شك في أن استمرار روح الوحدة والتضامن والتماسك بين مكوّنات الدولة الليبية المختلفة هو الضمانة الأساسية لعبور المرحلة الانتقالية بسلام والمضي بالبلاد نحو البناء وإعادة الإعمار وتأسيس ليبيا الجديدة القائمة على أسس دستورية ومؤسّسية قوية ومستقرة. أمام ليبيا تحديات كبيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولا يمكن مواجهتها والتعامل الفاعل والإيجابي معها إلا من خلال وحدة الصفّ الداخلي والبعد عن أي خطوة من شأنها تشتيت الجهد أو حرف التركيز بعيداً عن الأهداف العليا للوطن خلال هذه المرحلة التاريخية التي يعيشها والمنعطف المصيريّ الذي يمرّ به.

على الرغم من أن المؤتمر الذي عقد في بنغازي وخرج بإعلان إقليم للحكم الذاتي في برقة، قد أكد أن هذا الإقليم يندرج ضمن الدولة الفيدرالية الاتحادية، في إشارة إلى أن الأمر لا يتعلق بتقسيم ليبيا، فإن هذه الخطوة تنطوي على العديد من الجوانب المثيرة للقلق: أولها، أنها تفتح المجال لإعادة النظر في كل ما تم التوافق حوله في ما يخصّ مسار الفترة الانتقالية التي تسير فيها البلاد حالياً، خاصة أن مؤتمر بنغازي قد أعلن “رفض الإعلان الدستوري وتوزيع المقاعد في المؤتمر الوطني وقانون الانتخاب والقوانين والقرارات كافة، التي تتعارض مع صفة السلطة القائمة كسلطة انتقالية”، وهذا يعني التهديد بالعودة مرة أخرى إلى المربع الأول وفتح المجال لخلافات وسجالات خطِرة على أكثر من مستوى. ثانيها، أن رفض رئيس “المجلس الوطني الانتقالي”، مصطفى عبدالجليل، إعلان إقليم للحكم الذاتي في برقة، وحدوث بعض المناوشات بين مؤيدي هذا الإقليم ورافضيه في مدينة بنغازي، يعنيان أن هذه الخطوة أدّت وستؤدّي إلى حالة من الانقسام على الساحة الليبية يمكن أن تتسع ومن ثم تتزايد مخاطرها خلال الفترة المقبلة، وبالتالي تحرف البلاد عن أهدافها الأساسية التي تسعى إلى تحقيقها خلال المرحلة الانتقالية. ثالثها، أن هذه الخطوة قد جاءت في ظل فترة انتقالية وخارج نطاق أي توافق وطني، وهذا من شأنه أن يثير بعض الاضطراب ويؤدي إلى خلط الأوراق وبالتالي يزيد من صعوبة مهمة الانتقال الجارية الآن في البلاد.

Share