التمسك بالمحاصصة الطائفية يعطّل تشكيل حكومة إنقاذ في لبنان

  • 26 سبتمبر 2020

مجدداً، تصطدم جهود تشكيل حكومة الإنقاذ اللبنانية بحاجز المحاصصة الحزبية والطائفية التي حكمت لبنان منذ استقلاله قبل نحو 74 عاماً، وأدت إلى تشكيل طبقة سياسية نافذة سيطرت على واقعه وقراره السياسي ووجهته بطريقة لم تخدم سوى مصالح فئة ضيقة ممن ينتسبون إليها من دون اعتبار لمتطلبات شعبه وتطلعاته نحو تحقيق التقدم والنهضة التي ينشدها.

برغم مرور نحو شهر على تكليف مصطفى أديب –الدبلوماسي والأكاديمي المستقل الذي لا ينتمي لأي من التيارات التقليدية التي تناوبت على الإمساك بزمام الأمور في البلاد- فإن محاولات إخراج لبنان من عنق زجاجة الجمود السياسي الذي يعيشه ما زالت تراوح مكانها؛ نتيجة تعنّت بعض القوى السياسية وعدم رغبتها في التخلي ولو بشكل جزئي عن مكاسبها، وحرصها على التمسك بالحقائب التي تتيح لها القدرة على تعطيل عمل الحكومة أو إعاقته في الوقت الذي تشاء، وهو الأمر الذي ينذر في حال استمراره بالدفع نحو المزيد من التأزيم الذي قد يعيد الكرة إلى مربعها الأول، ويدفع الشعب الذي يعاني حالة غير مسبوقة من الاحتقان إلى اللجوء مرة أخرى إلى الشارع.

هذا التعنت الذي يقوده تحالف حزب الله وحركة أمل اللذين يصرّان على التمسك بالحصول على حقيبة وزارة المالية في الحكومة الجديدة، خلق نوعاً من الشرخ بينه وبين أقرب التيارات إليه وهو التيار الوطني الحر، وكذلك بينه وبين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون المعروف أيضاً بعلاقاته الوثيقة مع الحركة والحزب، حيث تجلّى الخلاف في تصريحات الرئيس عون التي حذر فيها من أن البلاد تتجه نحو كارثة «جهنم» في حال عدم توافق القوى السياسية على تشكيل حكومة لا تلوح في الأفق حتى الآن أية حلول لإزالة العراقيل أمام ولادتها.

ويقابل تعنّت المعسكر الشيعي الذي يعتبر القوة السياسية والعسكرية الأبرز في لبنان، إصرارٌ واضحٌ من رئيس الوزراء المكلف على تشكيل حكومة بعيدة تماماً عن نظام المحاصصة، لتكون قادرة على الخروج بلبنان من الأزمة السياسية والاقتصادية الطاحنة التي يعيشها منذ منتصف شهر أكتوبر الماضي، وهو موقف يحظى بدعم مباشر من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي يقود حملة لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته الاقتصادية ويشترط للاستمرار في هذه الحملة التي تتضمن تقديم مساعدات مالية لإنعاش الاقتصاد الذي يوشك على الانهيار، تنفيذ إصلاحات سياسية تتضمن تلبية معايير إقامة دولة القانون والمؤسسات وتعزيز الشفافية والحرية والديموقراطية وتنفيذ الإصلاحات الضرورية التي يطالب بها المجتمع الدولي لإعادة بناء نظام سياسي جديد وتشكيل حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على النهوض مجدداً بالبلاد.

المنعطف الذي دخلته الأزمة اللبنانية دفع الراعي الفرنسي لجهود مساعدة لبنان إلى الخروج عن صمته، ودعوة المسؤولين اللبنانيين مرة أخرى إلى التوصّل من دون تأخير إلى اتّفاق على تشكيل حكومة تُخرج البلاد من أزمتها، وذلك وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية وأعربت فيه عن أسف فرنسا لعدم وفاء هؤلاء المسؤولين بالتعهّدات التي قطعوها للرئيس ماكرون خلال زيارته إلى لبنان بداية سبتمبر الجاري بتشكيل الحكومة في غضون أسبوعين، كما أعادت، بشكل غير مباشر، تأكيد دعمها لرئيس الوزراء المكلف، عبر الدعوة إلى التعاون معه وتمكينه من تشكيل حكومة تطبّق الإصلاحات اللازمة.

ومن الواضح أنّ فرنسا بدأت تضيق ذرعاً بإصرار التحالف الشيعي على نظام المحاصصة الطائفية عبر تمسكه بحقيبة وزارة المالية، وهو ضيق عبّرت عنه من خلال دعمها لاقتراح رئيس الوزراء الأسبق وزعيم تحالف قوى 14 آذار سعد الحريري بأن يسمي رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب، مرشحاً شيعياً «مستقلاً» لتولي هذه الحقيبة، معتبرة أنه يمثل فرصة ينبغي أن تدرك كل الأحزاب أهميتها حتى يتسنى تشكيل حكومة مهام في أسرع وقت ممكن.

يبدو أن الفرقاء السياسيين على الساحة اللبنانية ما زالوا يتجاهلون حقيقة أنّ لبنان ما بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت ليس كما قبلها، وأن آثار وتداعيات هذه الكارثة لن تقتصر على ما تكبده من خسائر بشرية ومادية، بل ستتجاوز ذلك لتشمل تغييرات جوهرية في معادلات وتوازنات السياسة، وفي هياكل التحالفات القائمة التي اعتادت التحكم بكل صغيرة وكبيرة في هذا البلد، وأنه بات عليها أن تستجيب لمتطلبات التغيير حتى لا تدفع لبنان نحو المجهول وتضطر شعبه إلى اللجوء مرة أخرى إلى الشارع، وتجبر المجتمع الدولي على التخلي عنه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات