التقنيات الحديثة: معضلة فقدان الوظائف والبطالة

محمد عبدالرحمن العسومي: التقنيات الحديثة: معضلة فقدان الوظائف والبطالة

  • 24 يونيو 2015

ثمة تحديات متعددة تواجه الاقتصاد العالمي، وخاصة اقتصادات البلدان النامية، كما أشارت إلى ذلك مجموعة الدول السبع الكبار (G7) في مؤتمرها الأخير الذي عقد في ولاية "بافاريا" الألمانية بداية شهر يونيو الجاري، إذ إنه وبرغم تركيز قادة دول المجموعة على التأثير الاقتصادي والبيئي للتغيرات المناخية، إضافة إلى القضايا  السياسية، فإن هناك قضايا أخرى لا تقل أهمية تتعلق بالنمو الاقتصادي والعلاقة بين التقدم التكنولوجي الهائل والسريع وفقدان الوظائف وتنامي البطالة بسبب إحلال الآلة محل الأيدي العاملة في المزيد من القطاعات الإنتاجية والخدمية.

وتشير بعض التقارير الدولية إلى أن عملية الإحلال ستزداد تسارعاً منذ الآن حتى عام 2025 ليفقد قطاع الوظائف 5% من قوته العاملة خلال الفترة المشار إليها، أما في ألمانيا وحدها التي تعتبر من أكثر دول العالم تقدماً ويحقق اقتصادها معدلات نمو جيدة، مقارنة ببقية البلدان المتقدمة وتقود القاطرة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، فقد أشارت وزيرة العمل الألمانية، أندريا ناليس، إلى أن ارتفاع إدخال التشغيل الآلي سيستحوذ على 12% من الوظائف خلال الفترة من العشرة أعوام إلى العشرين عاماً المقبلة.

وفي الوقت نفسه قالت وزارة العمل الألمانية إن التطور التكنولوجي يهدد واحدة من كل ثماني وظائف في ألمانيا؛ أي ما معدله 12.5% من مجموع الوظائف هناك، وهي نسبة كبيرة يمكن أن تتسبب في ارتفاع معدل البطالة، ومن ثم خلق صعوبات اقتصادية واجتماعية وتنامي الالتزامات المترتبة على الموازنة العامة.

هذا نموذج  لدولة صناعية متطورة وتتمتع بمستويات معيشية مرتفعة ويمكنها التأقلم مع هذه التغيرات التكنولوجية التي تغير بدورها من طبيعة الأعمال وطبيعة الأيدي العاملة لتسيير القطاعات الإنتاجية والخدمية، إذ يبدو الأمر مشابهاً في البلدان النامية الغنية، إلا أن الأمر يبدو مختلفاً تماماً في البلدان النامية الفقيرة التي تعاني أصلاً مستويات مرتفعة من البطالة.

ومع أن معدلات الإحلال الآلي للوظائف ليست متقاربة بين البلدان المتطورة والنامية، حيث إن هناك تفاوتاً كبيراً بين المجموعتين، فإن هذه العملية تشمل بشكل أو بآخر بلدان العالم كافة بنسب مختلفة، ففي الوقت الذي شملت عملية الإحلال في القطاع المصرفي في البلدان كافة، وفقد القطاع عشرات آلاف الوظائف، حيث أعلن بنك HSBC وهو أكبر بنك في أوروبا بداية شهر يونيو الحالي استغناءه عن 25 ألف وظيفة حول العالم، منها 8 آلاف في بريطانيا وحدها، حيث المقر الرئيسي للبنك، فقد شملت قطاعات تجارة التجزئة والقطاع الصناعي في البلدان المتطورة أيضاً.

وإذا ما أخذنا على سبيل المثال عمليات الدفع الآلي للمشتريات في المتاجر الكبيرة "السوبرماركت" في البلدان المتقدمة، فإننا سنرى أنها انتشرت بصورة كبيرة في السنوات الخمس الماضية وحوّلت معها عشرات الآلاف من الموظفين، إما إلى قطاعات أخرى وإما إلى صفوف البطالة، في حين يلاحظ أن عملية الإحلال في هذا القطاع في البلدان النامية مازالت غير معمول بها حتى الآن إلا على نطاق ضيق للغاية.
وبما أنه لا يمكن وقف التطور باتجاه العمل الآلي والروبوت، فإن البحث عن حلول مسألة في غاية الأهمية، وخاصة في المجتمعات النامية التي تتميز مجتمعاتها بارتفاع نسبة الشباب المتعلم والباحث عن عمل، حيث يضطر الكثير منهم إلى الهجرة إلى البلدان المتطورة أو النامية الغنية التي بدورها تشدد القيود على الهجرة بسبب التبعات المالية والاجتماعية المترتبة عليها.

ومع ذلك يمكن إيجاد مخارج تسهم في التقليل من الانعكاسات السلبية لهذه الظاهرة التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي تعتبر إيجابية في مجملها للتقدم في المجالات كافة، بما في ذلك التعليم والصحة والتقليل من التلوث وتوفير المزيد من وسائل الراحة والخدمات المتطورة لأفراد المجتمع في مختلف بلدان العالم. ويكمن أحد أهم المخارج في إعادة الهيكلة الاقتصادية في البِلدان النامية بشكل خاص، التي تعاني زيادة مفرطة في النمو السكاني، ففي الوقت الذي تدخل التكنولوجيا الآلية في بعض القطاعات بقوة، فإن قطاعات أخرى مازالت تعتمد على الأيدي العاملة الكثيفة، كالقطاع السياحي والصناعات الصغيرة والمتوسطة وتجارة التجزئة الصغيرة والخدمات التعليمية والصحية.

ومن ثم، فإن تنمية هذه القطاعات يمكن أن يرافقها خلق المزيد من فرص العمل وتفادي العديد من الصعوبات والتعقيدات والأزمات الاجتماعية التي قد ترافق إلغاء الوظائف بسبب التقدم التكنولوجي، إلا أن ذلك بحاجة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية ربما لا تستطيع الكثير من البلدان النامية الفقيرة توفيرها، ما يتطلب مساهمة البلدان المتقدمة والمؤسسات الدولية، مثل: "البنك الدولي" و"البنك الآسيوي للبنية التحتية"، الذي أسس مؤخراً بمبادرة من الصين برأس مال كبير يبلغ 50 مليار دولار.

وقبل ذلك، لا بد للبلدان المتدنية النمو والبِلدان النامية بشكل عام أن تضع برامج لضبط النمو السكاني المنفلت الذي يزيد الأمور تعقيداً ويضع برامج التنمية في مهب الريح بسبب التفاوت الكبير بين معدلات النمو وزيادة الدخل القومي من جهة والزيادة السكانية السريعة من جهة أخرى، فالبلدان الغنية من الأفضل لها زيادة اعتمادها على التكنولوجيا والعمل الآلي بدلاً من استقدام المزيد من الأيدي العاملة المكلفة من البلدان الأقل نمواً التي عادة ما يصاحبها توترات اجتماعية بسبب التفاوت الثقافي والتعليمي، ما يتطلب تعاون الدول كافة للمساعدة في حل هذه المعضلة في العلاقة بين التطور التكنولوجي وفقدان الوظائف التي تعني الجميع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات