التقاعس العربي تجاه غزة يعزز النفوذ الإيراني

ليلى نادر: التقاعس العربي تجاه غزة يعزز النفوذ الإيراني

  • 12 يناير 2009

لطالما كان النظام الإيراني مصدراً للنقد اللاذع للتعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين قبل الهجوم الحالي على قطاع غزة، منذ 27 ديسمبر 2008. وفي الحقيقة، فإن موقف إيران من القضية الفلسطينية يتناقض بحدة مع مواقف الدول العربية، الأقل وضوحاً، تجاه هذه القضية. لكن قبل التسرع في الإشادة بإيران، علينا أن نتنبه إلى أن لديها استراتيجية مجربة ومختبرة في استغلال الصراعات الإقليمية لكسب القوة والدعم اللازمين لتوسيع نفوذها الإقليمي. وثمة دليل واضح على ذلك يتمثل في استغلالها الصراع القائم في العراق وإذكائها العنف الطائفي هناك. وتقدم العلاقة الوثيقة بين حزب الله في الجنوب اللبناني والنظام الإيراني شاهداً آخر على الأمر ذاته. أما الصراع الحالي في غزة، فيعتبر فرصة أخرى جوهرية لإيران.

 وعلى الرغم من اتهام إيران بتوفير إمدادات السلاح والمساعدة المالية لحركة حماس، فإن إمكانية وصول إيران إلى إقليم محاصر بصورة معلنة كقطاع غزة محل شك. لكن الدعم الإيراني اللفظي لحماس واضح لا لبس فيه. وسواء كان هذا الدعم مجرد مخاتلة لتحقيق مكاسب سياسية أم لا، فإن هذه المسألة محدودة الصلة إلى حد معين بالواقع في هذه المرحلة بالذات؛ نظراً لكون الدعم الإيراني رد فعل صاخب وغير مقيد على الاجتياح الإسرائيلي للقطاع؛ الأمر الذي يجعل إيران متقدمة على الدول المجاورة في مباراة تأكيد التفوق في الإقليم.

 على الجانب الآخر، ألقى تباطؤ الاستجابة العربية للهجوم على غزة بظلاله على المبادرة العربية التي تمخض عنها تمرير قرار مجلس الأمن رقم 1860 (الداعي لوقف فوري لإطلاق النار في غزة). في المقابل، دعا النظام الإيراني لاجتماع طارئ لمنظمة المؤتمر الإسلامي، الأمر الذي قوبل بتجاهل غالبية الدول الأعضاء، وأعلن عن إنشاء محكمة خاصة لمحاسبة الإسرائيليين على هجماتهم الجوية ضد القطاع. ثم تباهى النظام الإيراني بموافقة نحو 70 ألف طالب على تنفيذ عمليات استشهادية ضد أهداف إسرائيلية، بل ذهب بعيداً إلى حد دعوة الدول الإسلامية لقطع إمدادات النفط عن الدول المساندة لإسرائيل. بيد أن التحرك الأهم تمثل في تصريح وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متقي، الذي أفاد أن "أهل غزة على حق في اعتقادهم بأن بعض الدول العربية قد طعنتهم من الخلف". وواقع الأمر أن النظام الإيراني يفتقر إلى النفوذ السياسي الذي يمكنه من ممارسة الضغط الكافي لتغيير الوضع في غزة، مقارنة بما تحوزه الدول العربية في هذا الصدد. لكن خطابه العنيف المغالي، رغم فراغ مضمونه، قادر على إحداث تأثير معتبر في صفوف الجماهير التي يخاطبها.

 وبإمعان النظر في السياق السياسي الداخلي للنظام الإيراني، نجد أن الهجوم الإسرائيلي على غزة ما كان ليأتي في توقيت أفضل مما هو عليه الآن بالنسبة لحكومة الرئيس أحمدي نجاد التي تصارع للبقاء. في هذا الصدد، سيواجه نجاد في انتخابات الرئاسة المقبلة، في يوليو 2009، ضغوطاً داخلية أكبر جرّاء معدلات البطالة المرتفعة، واستقرار معدل التضخم عند 30%، فضلاً عن مشروع القانون المقدم حديثاً للبرلمان لرفع الدعم عن الوقود والكهرباء. وهكذا، قد تعتبر أحداث غزة أداة يستخدمها نجاد، وإن لم يتوفر له سواها، لتحويل انتباه الرأي العام الإيراني عن المشكلات الداخلية. أضف إلى ذلك أن الموقف المتشدد للنظام الإيراني بشأن قضية غزة يروق أيضاً للمتشددين، الذين يشكلون قاعدة الدعم التقليدية لنجاد داخل إيران. كما أن هذا الموقف سوف يقدم له الدعاية التي يحتاجها كثيراً لدعم صورته كمدافع عن المسلمين في وجه الطموحات الإمبريالية للولايات المتحدة وإسرائيل.

 ومع ذلك، فإن الأمر الأكثر أهمية هو توظيف هذه الاستراتيجية لزيادة شعبية النظام الإيراني في أنحاء العالم العربي. بعبارة واحدة، فإن الدعم الإيراني المعلن لحماس هو سلوك عمدي، يدعم محاولات إيران لترسيخ نفسها قائدا للعالم الإسلامي. فبدعمها لحركة حماس السنية، تروج إيران لفكرة أن تأييدها للمسلمين يتجاوز الفواصل المذهبية والفكرية. في هذا السياق، فإن تزامن الموقف الإيراني مع عجز الأنظمة العربية الظاهر كشف عن تناقض مفزع فطن إليه الشارع العربي. وهكذا، يبرهن النظام الإيراني على مهارته في الترويج للتشيع السياسي تحت غطاء معاداة الصهيونية ومعاداة الأمريكانية Anti-Americanism. وتدرك إيران أن رسالتها الموجهة على هذا النحو ستلقى قبولاً لدى عدد ليس بالقليل من الجيوب "المسلحة" المعزولة في العالم العربي. ويمكن تفسير ذلك بقدرة النظام الإيراني على التعبير عن أفكار الجماهير العربية والضرب على عواطفها، في مواجهة عدم قدرة بعض الأنظمة العربية على فعل الشيء نقسه، وهو ما يثير خيبة أمل في الشارع العربي.

 بيد أن الاستراتيجية الإيرانية تجاه غزة لا تخلو من مخاطر؛ فالنقد الذي يكيله النظام الإيراني للعالم العربي سيشكل انتكاسة على صعيد العلاقات الدبلوماسية التي حاولت إيران جاهدة تطويرها مع الدول العربية في مواجهة الضغوط الأمريكية على الأخيرة لمواصلة فرض العزلة على إيران. ونذكر أن مصر، على وجه الخصوص، تعرضت إلى نقد إيراني لاذع لاستمرار إغلاقها حدودها مع غزة، مع السماح فقط بعبور محدود للغاية من الجرحى الفلسطينيين إلى مصر. ومن المسلم به أن العلاقات المصرية الإيرانية شهدت تطوراً إيجابياً عام 2008، غير أن الجهود المفضية إلى هذا التطور سيكون عليها البدء من نقطة الصفر في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على غزة. ومن المرجح أن إيران تقدر أن الهجوم الإسرائيلي على غزة يعني تقليل احتمال إقدام الجيش الإسرائيلي على مهاجمة إيران في الأشهر المقبلة. ومع ذلك، فإن الدعم المعنوي أو اللفظي الإيراني المعلن لحماس (إذا كان كذلك فقط) محفوف بالمخاطر، ويشكل في مجمله استراتيجية خطرة جداً، قد تُتخذ ذريعة ومنطلقاً لمهاجمة إيران في نهاية المطاف في الإطار الأوسع المعروف بـ"الحرب على الإرهاب"، وهو الإطار الذي زعمت إسرائيل أنها تستند إليه في هجومها على غزة، نظراً لتصنيف حماس على الدوام كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.

 إن مقاطعة إيران للولايات المتحدة قد يسمح للأولى بجني المكاسب السياسية المنتظرة من المجاهرة بدعم حماس. لكن ارتباط العديد من النظم العربية في الدول المجاورة بعلاقة وثيقة مع الولايات المتحدة يعني افتقار هذه النظم لمساحة المناورة التي تحوزها إيران في هذا الشأن. وعلى ذلك، فإن إيران في طريقها إلى تحقيق نصر في حرب الدعاية واستخدام المكاسب المتمخضة عنه لتقديم نفسها على أنها الممثل "الحقيقي" للرأي العام الإسلامي. وعليه، يجب على بعض الأنظمة العربية أن تعي أن التلكؤ في مثل هذه القضايا إنما يزيد من شعبية النظام الإيراني في أنحاء العالم العربي؛ فنجاح إيران السياسي في هذه الجولة، حتى وإن بدا قصير المدى، قد يتحول إلى مادة للحرج السياسي للأنظمة العربية على المدى البعيد، بل قد يسفر عن تداعيات سياسية خطيرة وزعزعة الاستقرار الداخلي في تلك الدول.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات