التفاوض والمواجهة مع سورية في التصورات الإسرائيلية الراهنة

إبراهيم عبد الكريم: التفاوض والمواجهة مع سورية في التصورات الإسرائيلية الراهنة

  • 28 نوفمبر 2006

بالتزامن مع توقف الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، ازداد الشأن السوري حضوراً في النقاش الداخلي الإسرائيلي. ومع أن هذا النقاش تناول علاقة سورية بحزب الله وحركة حماس وتحالفها مع إيران، إلا أنه ظلَّ يتركز على مسألتي التفاوض والمواجهة معها، فيما مثلت العلاقة بين دمشق وكلٍّ من حزب الله وحماس وإيران، العنصر الأهم في هذا النقاش لدى مختلف المقدِّرين الإسرائيليين، رافضي المفاوضات والداعين لها على حد سواء؛ حيث تذرَّع كلا الفريقين بهذه العلاقة ليعطي مصداقية لموقفه؛ إذ رأى الفريق الأول أنه من غير الممكن التفاوض مع سورية في ظل دعمها منظمات "إرهابية" وتحالفها مع نظام يدعو إلى إبادة إسرائيل، وفيما أراد الفريق الثاني من آلية التفاوض أن تفضي إلى دقّ إسفين في العلاقات بين سورية من جانب وجماعات المقاومة وإيران من جانب آخر، بزعم أن  هذه العلاقات مجرد حاجة سورية تكتيكية عابرة.

 وفي الوقت ذاته، شهدت الأوساط الإسرائيلية جدلاً واسعاً حول مسألة المواجهة العسكرية مع سورية، بفعل المستجدات المرتبطة بنتائج الحرب على حزب الله. وتراوحت التقديرات بين حدين؛ أحدهما ينفي إمكانية وجود خيار عسكري لدى سورية، والآخر يوظف مؤشرات عدة لإثبات وجود هذا الخيار. 

وقد جاءت طلقة البدء في هذا السجال الإسرائيلي الجديد حول مسألة المفاوضات والمواجهات مع سوريا في اليوم التالي لتوقف الحرب بين إسرائيل وحزب الله؛ حيث أبدى نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع "عامير بيرتس" استعداده  لبحث إمكانية استئناف مفاوضات السلام مع سورية، داعياً إلى إعداد الظروف للحوار معها. وبينت التقارير التي نشرت بعد ذلك، أن تصريح "بيرتس" جاء في أعقاب سلسلة محادثات مع خبراء في الشؤون السورية، اقتنع خلالها بأهمية لحاجة لفحص نوايا الرئيس الأسد، الذي يرى فيه عاملاً مركزياً في الجهود المبذولة لمنع أي اشتعال جديد على الحدود الشمالية وفرض حظر السلاح على لبنان.

 وبعد أن مرّ هذا التصريح بصورة هادئة، سرعان ما شهدت الأوساط الإسرائيلية حراكاً نشطاً، إثر مقابلة لوزير الأمن الداخلي "آفي ديختر" مع إذاعة الجيش، ذكر فيها أن إسرائيل تستطيع "الانسحاب من هضبة الجولان مقابل سلام حقيقي"؛ ونظراً لحساسية الموضوع المثار، لم تقف الزعامة الإسرائيلية صامتة أمام هذا الموقف الذي يصدر عن الوزير "ديختر" بالذات؛ رئيس الشاباك (جهاز الأمن العام) سابقاً وأحد أقطاب حزب كاديما(برئاسة أولمرت)، والذي أثار موقفه "زوبعة سياسية"، فبينما أيد وزيران آخران (يولي تامير وإيتان كابل ـ من حزب العمل) هذا الموقف ودعيا إلى إجراء مفاوضات فورية مع دمشق. رفض الاتجاه الغالب في حكومة "أولمرت" (نحو 21 وزيراً) هذه الدعوات وقرروا تجاهل دعوات سورية السلمية، بل إن رئيس الحكومة "إيهود أولمرت" سارع إلى القول بأن إسرائيل لن تجري مفاوضات مع من يرعى "الإرهاب" ومع من هو جزء من "محور الشر"، فيما ذكرت تقارير إسرائيلية أن هذا الموقف اتخذ بالتنسيق مع الإدارة الأميركية.

يُفهَم مما تقدم، أن "المأخذ" الإسرائيلي الأول على سورية يتلخص بالرسائل المزدوجة التي تبثها؛ فهي من ناحية تدعو لاستئناف المفاوضات، ومن ناحية أخرى تواصل دعمها لحزب الله وحماس وتحالفها مع إيران. وفي محاولة لتحديد مضامين هذه الرسائل، لجأت وزيرة الخارجية "تسيبي ليفني" إلى تكليف "يعقوب دايان" (الذي شغل منصب رئيس القيادة السياسية في مكتب وزير الخارجية) بمهمة "مسؤول مشروع" المفاوضات السلمية مع سورية، وطلبت منه إعداد وثيقة شاملة يعرض فيها فرص استئناف المسيرة السياسية مع دمشق. ولهذه الغاية التقى "دايان" مع شخصيات كبيرة معنية بالشأن السوري، في المؤسسة الأمنية ووزارة الخارجية. كما التقى مع رئيس جامعة تل أبيب "إيتمار رابينوفيتش"، الذي ترأس فريق المحادثات مع سورية بتكليف من حكومة "رابين" في منتصف التسعينات، ومع اللواء احتياط "أوري ساغي"، الذي ترأس هو الآخر الفريق بتكليف من رئيس الوزراء "إيهود باراك" في نهاية التسعينات. وعلى غرار حالات كثيرة، اختلفت التقديرات المتداولة حول النوايا السورية؛ فبينما شددت شعبة الاستخبارات العسكرية على جدية "التهديدات الحربية" السورية، كانوا في وزارة الخارجية يولون أهمية لاستئناف المفاوضات. وخلال المداولات التي جرت تم التنبيه إلى خطر توثيق العلاقات بين إيران وسورية وحماس.

 وعلى خط موازٍ، ظلت عيون المعنيين الإسرائيليين ترصد المتغيرات السورية، وساد قلق في جهاز الأمن الإسرائيلي من أن الجيش السوري لا يزال يوجد في حالة تأهب عالية، رغم وقف إطلاق النار مع حزب الله. ونقلت صحيفة معاريف (11/9/2006) عن اللواء "عاموس يادلين" رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية قوله خلال جلسة الحكومة: إن سورية تفكر في نقل "النموذج الإيراني" مع حزب الله، وتفحص الإمكانيات لإقامة منظمة تقوم بالهجوم من مناطقها على المستوطنات في هضبة الجولان. كما أوضح أحد الوزراء أن "نتائج الحرب دفعت بالسوريين إلى الانتقال من حالة الدفاع إلى حالة هجوم محتمل".

 في هذه الأجواء، تحدثت تقارير إسرائيلية عن أن هناك تغييراً جوهرياً في التصور الاستراتيجي الإسرائيلي حول سورية. فعلى مدى سنوات طويلة، كان افتراض العمل والتقدير الاستخباري للجيش الإسرائيلي، شبه الدائم، هو أن سورية ليس لديها خيار عسكري حقيقي حيال إسرائيل، ولكن مؤخراً غيرت شعبة الاستخبارات العسكرية تقديرها، ورفعت احتمالات اندلاع حرب أو أعمال عدائية من جانب سورية من "منخفضة" إلى "عالية"، وأكدت أن الخيار العسكري طرح كخيار حقيقي في دمشق.

 على هذه الخلفية، ارتفعت درجة حرارة التصريحات الإسرائيلية، فتمت الإشارة إلى أنه في الحرب مع سورية، ستزيل إسرائيل "قيود القوة" التي فرضتها على نفسها إبان الحرب مع حزب الله، وأنه يمكن شلّ سورية خلال ساعات، وغير ذلك من "الرسائل" التي تصب في منحى توجهات الردع الإسرائيلي.

 أما في الأوساط الأكاديمية والبحثية الإسرائيلية، فكان هناك إجماع تقريباً على الدعوة لفتح نافذة فرص أمام إيجاد مسار سياسي، بدلاً من السماح بتراكمات تقود إلى نقطة الصدام بين الطرفين. ونبهت هذه الأوساط إلى أن الحرب الأخيرة في لبنان أظهرت أن السوريين أكثر مهارة وإحكاماً مما اعتقدته إسرائيل، وأن حزب الله كان ذراعاً للأسد وليس فقط امتداداً إيرانياً، وأن سورية لم تُهمل الإعداد للحرب في الجولان إبان الثرثرة الإسرائيلية عن "الدبابات والطائرات الصدئة" في الجيش السوري.

 ومن ناحية الرأي العام الإسرائيلي، كان من الطبيعي أن تظهر مفاعيل ملموسة لعملية الشحن بالتوجهات المتعنتة التي تقوم بها حكومة أولمرت، وسابقاتها، فقد أوضح "مقياس السلام" لشهر أيلول 2006 (بإشراف البروفيسورين أفرايم ياعر وتمار هيرمان) أن تصريحات الرئيس "الأسد"، التي وصفت بأنها عنيفة، أثّرت في الجمهور اليهودي في إسرائيل أكثر من تصريحاته السلمية، وسبَّبت انخفاض نسبة مؤيدي إعادة الجولان إلى سورية مقابل سلام كامل.

 وفي تقليب الاحتمالات على مختلف وجوهها، من المرجَّح أن تواصل حكومة أولمرت تجاهل الإشارات(الخضراء والحمراء) السورية، مركِّزة على ترميم قدرتها العسكرية التي تآكلت في الحرب مع حزب الله، وعلى معالجة الوضع الفلسطيني، بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، ضمن حالة يبدو فيها أنه من الصعب انتزاع شوكة من القدم، فيما تنشغل الأيدي بإيقاف النزيف الموجود في الرأس. ولكن ذلك التجاهل لا بد أن ينقطع فجأة بفعل ارتفاع شدة المنبِّه السوري.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات