التفاوض في ظلّ الاستيطان

  • 14 مارس 2010

أدّى إعلان المزيد من التوسّع الاستيطاني الإسرائيلي في القدس الشرقية إلى إثارة الكثير من الشكوك حول فرص استئناف المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، ووضع الجهود التي تبذلها أطراف مختلفة من أجل هذا الغرض في مواجهة وضع معقّد. لقد حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، السيطرة على التداعيات السلبيّة التي نتجت عن إعلان وزارة الداخلية الإسرائيلية بناء 1600 وحدة استيطانيّة جديدة في القدس، خاصّة في مسار العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، من خلال القول إنه لم يكن يعرف بأمر صدور هذا الإعلان، وإبداء الاعتذار عن توقيته. وهذا ينطوي على تبسيط كبير للأمور، ومحاولة للالتفاف على حقيقة الوضع الخطر في القدس والضفة الغربيّة في ظل المشروعات الضخمة وطويلة الأمد للاستيطان. فهناك مشروع كبير لتهويد القدس عبر زرعها بغابة من المستوطنات اليهوديّة، ولا يعدّ إعلان إنشاء 1600 وحدة استيطانية جديدة سوى أحد جوانب هذا المشروع. فضلاً عن ذلك، فإن حكومة نتنياهو تصرّ على عدم وقف الاستيطان، وإنما تجميده بشكل جزئي ومؤقّت فقط ولا يشمل مدينة القدس، ومن المقرّر أن ينتهي هذا التجميد المؤقت في سبتمبر المقبل. وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، مؤخراً، إن الحكومة الإسرائيلية لا تنوي تجديد عملية التجميد.

إن الهدف من المفاوضات غير المباشرة هو بناء الثقة التي فقدت بين الفلسطينيين وإسرائيل تمهيداً للعودة مرّة أخرى إلى المفاوضات المباشرة، ولكن هل يؤدي إعلان مزيد من التوسّع الاستيطاني، في الوقت الذي يتم فيه الاستعداد للولوج في هذه المفاوضات، إلى بناء الثقة؟ وهل يعكس هذا الإعلان أيّ رغبة من قبل الواقفين وراءه، أو حكومة إسرائيل، في بناء هذه الثقة والتغلّب على الفجوة التي تتسع كلّ يوم مع الفلسطينيين والعرب؟ وهل لدى حكومة نتنياهو، في ضوء ذلك كلّه، أي نية حقيقية في العمل الجادّ من أجل السلام، أم إن الأمر لا يتجاوز كونه إضاعة لمزيد من الوقت من أجل استكمال مخطّطات التهويد وابتلاع أكبر مساحة ممكنة من الأرض وتغيير هُويّتها ومعالمها؟

لقد نقل عن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس أبومازن، قوله إن التوجّه إلى مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل "صعب جداً" إذا لم تتراجع عن قرارها بناء 1600 وحدة استيطانيّة في القدس وتوقف تماماً عملية الاستيطان، وهناك تحرّكات مختلفة من أجل التغلب على هذه المشكلة، بحيث يتم استئناف المفاوضات في موعدها المحدّد. المشكلة لا تكمن في عملية التفاوض في حدّ ذاتها، وإنما في مضمونها والظروف التي تتم فيها، فمنذ "مؤتمر مدريد للسلام" عقدت عشرات الجولات التفاوضيّة، إلا أن المشكلة ما زالت باقية، لأن إسرائيل ليست لديها النيّة الحقيقيّة لمنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة المقرّرة ضمن المرجعيات الدولية، ولذلك فإن المفاوضات غير المباشرة المقترحة لا يمكن أن يكون لها فرصة في النجاح في ظلّ استمرار التوسّع الاستيطاني، فلا نجاح لأي عملية تفاوض في ظل انعدام الثقة بين طرفيها.

Share