التغيرات المناخية في العالم

  • 20 أغسطس 2003

تُلفت الموجة الحارة غير المسبوقة التي تتعرّض لها أوروبا هذا الصيف، والتي أدت إلى وقوع آلاف الضحايا واستدعاء خطط الطوارئ واستنفار الأجهزة الأمنية والصحية والبيئية، إضافة إلى آثارها وأبعادها السياسية، الانتباه إلى أحد الأخطار المهمة والأساسية التي تتهدد كوكب الأرض، وهي التغيرات المناخية الفجائية والحادة وغير الطبيعية التي تسبب الكوارث الكبرى، وتفشل كل منجزات العلم والتكنولوجيا الحديثة في مواجهتها أو التصدي لها. والحقيقة الثابتة في هذا الشأن هي أن الطبيعة لا تغضب من تلقاء نفسها، وإنما الإنسان بتصرفاته هو المسؤول الأول عن هذه التغيرات على الرغم من أنه هو المتضرر الأول منها أيضاً، وذلك من خلال تعامله الجائر مع البيئة المحيطة وتهديده لقوانين التوازن الموجودة بها، وبالتالي يتجه هذا التوازن إلى الاختلال الذي يزيد من عام إلى آخر مهدداً بالمزيد من الكوارث والمتاعب. ويتضح ما سبق من التعرف إلى التفسير العلمي لكل ما ذُكر، حيث يشير العلماء إلى أن السبب في ارتفاع حرارة الأرض بهذا الشكل المتصاعد هو ما يسمى بـ "ظاهرة الاحتباس الحراري"، التي تنتج عن زيادة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، بفعل النشاط الصناعي الكبير والذي لا يراعي الاعتبارات البيئية ويتعامل معها باعتبارها أمراً هامشياً، إضافة إلى الاعتداء على الغابات التي تعد رئة العالم بما تنتجه من أوكسجين.

ولمواجهة هذا الأمر، لا بد من تعاون دولي واسع يجد مبرراته في الكثير من الأمور، لعل أهمها أن التغيرات المناخية الحادة وما ينتج عنها من كوارث، توقع من الضحايا أكثر مما توقعه الحروب في كثير من الأحيان، وتكفي الإشارة هنا إلى أن ارتفاع درجة الحرارة في فرنسا قد أدت إلى سقوط أكثر من ثلاثة آلاف قتيل على حسب الإحصاءات الفرنسية، وهذا رقم أكبر من ضحايا أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة. إضافة إلى ما سبق فإن تغيرات المناخ تهدد الرفاه الإنساني كله، الذي قامت الثورة الصناعية والتقدم التكنولوجي من أجل تحقيقه.

إن التغيرات المناخية الحادثة في العالم تشير إلى العديد من الدروس التي يجب أن يضعها العالم في الحسبان. أول هذه الدروس، أن الاهتمام بالبيئة والحفاظ على توازنها لم يعودا ترفاً كما كان ينظر إليهما في الماضي، ومن هنا فإنه من الضروري أن يتم أخذهما في الاعتبار ضمن خطط التنمية الوطنية في دول العالم جميعها، وأن يحظيا بالاهتمام من قبل المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية من منطلق أنهما يتعلقان بمستقبل الوجود الإنساني على الأرض. الدرس الثاني، أن وحدة المصير الإنساني هي حقيقة ثابتة تؤكدها تغيرات المناخ التي لا تطال تأثيراتها بقعة دون أخرى على الأرض وإنما تطالها كلها. وإدراك هذه الحقيقة يجب أن يدفع إلى التعاون الدولي لمواجهة الأخطار المشتركة، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه القضية لا تحظى بالاهتمام الدولي الذي يتوازى مع خطورتها مقارنة ببعض القضايا الأخرى. أما الحقيقة أو الدرس الثالث، فهو أن البيئة ليست كتلة صماء وإنما لها استجاباتها وردود أفعالها التي تتأثر بالسلوك الإنساني الذي نظر إليها طويلاً، على أنها مستقبل لتصرفاته ومصدر للثروات والمواد الخام.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات