التغيرات المحتملة في السياسة الأمريكية خلال عام 2009

د. كينيث كاتزمان: التغيرات المحتملة في السياسة الأمريكية خلال عام 2009

  • 5 فبراير 2008

تشهد الولايات المتحدة حالياً المراحل الحاسمة من حملة انتخاب الرئيس الأمريكي الجديد، الذي سيبدأ فترة ولايته في يناير/كانون الثاني 2009. وقد بدأت بعض ملامح هذا السباق الرئاسي تتضح بعد الانتخابات التمهيدية التي أُجريت لتحديد هوية المرشحين المتنافسين للانتخابات القادمة، والتي من المنتظر أن تسفر عن حدوث تغيرات دراماتيكية أو محدودة في سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، استناداً إلى هوية الفائز. وقد يكون التغير الأكبر والأكثر دراماتيكية من نصيب السياسة الخاصة بالعراق، ولكن هناك أيضاً تغيرات مهمة قد تحدث فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إيران وجبهة الحرب الدائرة في أفغانستان وكذلك إزاء النزاع العربي-الإسرائيلي.

 ثمة تفاوت حاد في مواقف المرشحين الديمقراطيين والجمهوريين إزاء حرب العراق، فكلا المرشحين الديمقراطيين الرئيسين باراك أوباما وهيلاري كلينتون وعدا خلال حملتهما الانتخابية بوضع حد لمعارك الولايات المتحدة في العراق خلال الفترة الرئاسة الأولى. ومن بين الاثنين يدعو السناتور أوباما للانسحاب السريع من العراق متعهداً بسحب معظم القوات القتالية خلال 16 شهراً من توليه الرئاسة. فيما يؤيد كلاهما الإبقاء على بعض القوات الأمريكية في العراق لتنفيذ بعض المهام الخاصة بالتصدي لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتدريب قوات الأمن العراقية.

 ويختلف المرشحان الجمهوريان الرئيسيان اختلافاً كلياً مع المرشحين الديمقراطيين في الموقف من القضية العراقية؛ حيث يعتزم كل من جون ماكين وميت رومني مواصلة سياسات إدارة بوش الحالية من خلال الاستمرار في حرب العراق حتى تحقيق "النصر"، المعرّف بأنه قدرة العراق على تأمين ذاته دون مساعدة الولايات المتحدة القتالية، ومع ذلك فإن السناتور ماكين يعد، بشكل أو بآخر، أكثر تمسكاً بتأييد معارك الولايات في العراق إلى درجة قد تفوق تمسك إدارة بوش نفسها. ففي عام 2006 طالب السناتور ماكين بزيادة القوات الأمريكية في العراق زيادة كبيرة من أجل كبح حركات التمرد المتنامية، وأيد بشدة خطة "زيادة القوات" التي وضعتها إدارة بوش. كما أن هناك مؤشرات، لا تدعمها إفادات مباشرة، تؤكد أنه في حالة فوز السناتور ماكين بمقعد الرئاسة فإنه قد يقوم بمضاعفة عدد القوات مجدداً إذا تصاعدت أعمال العنف بعد عودة القوات الأمريكية في العراق إلى مستويات ما قبل الزيادة الأخيرة بحجم يربو على 138000 جندي، وهو يختلف في هذا الشأن عن جميع المرشحين الرئيسيين في كلا الحزبين السياسيين. فلا يوجد أي مرشح آخر يعتزم القيام بأي تصعيد آخر للمعارك في العراق إذا أخفقت القوات الحالية في تحقيق استقرار الوضع الأمني بشكل دائم.

 هناك أيضاً اختلاف جذري بين الحزبين الرئيسيين بشأن السياسة المتبعة تجاه إيران، وقد تسفر نتائج الانتخابات القادمة عن تغيرات كبيرة في العلاقات الأمريكية-الإيرانية. وثمة قلق يساور بعض الخبراء من إمكانية أن تصبح إيران فعلاً دولة نووية إذا فاز المرشح الديمقراطي بمقعد الرئاسة؛ لأن الحزب الديمقراطي يعتقد، على ما يبدو، أن إيران النووية تشكل تهديداً أقل على مصالح الولايات المتحدة من عواقب اتخاذ أي إجراءات عسكرية لوقف البرنامج النووي الإيراني. ويعارض كلا المرشحين الديمقراطيين استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية لكبح برنامج ايران النووي، ويؤيدان بدلاً من ذلك إجراء محادثات ثنائية مباشرة مع إيران، وإن كانت هيلاري كلينتون تتبنى موقفاً أكثر تشدداً نوعاً ما من موقف باراك أوباما، فقد صرح بأنه قد يقبل لقاء الزعماء الإيرانيين فعلاً ومن دون أي شروط مسبقة. أما هيلاري فإنها تصر على شروط مسبقة قبل عقد أي اجتماعات، وهي كانت قد أيدت بالفعل قرار اعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية خارجية.

في المقابل يعتزم المرشحان الجمهوريان مواصلة سياسة إدارة بوش التي تعتبر إيران خطراً جاثماً لابد من مواجهته. ولا يقترح هذان المرشحان عقد أي قمة أو اجتماعات رفيعة المستوى مع الزعماء الإيرانيين، سواء كان ذلك بشروط مسبقة أو من دون شروط، وهما يؤيدان صراحة الإجراء العسكري ضد منشآت إيران النووية إذا ما واصلت القيام بعمليات تخصيب اليورانيوم إلى أي درجات أعلى، رغم أن كليهما لا يقترح الإجراء العسكري كخيار أول. وتشير جميع الدلائل إلى أن المرشحين الجمهوريين يعتزمان مواصلة العمل مع شركاء الولايات المتحدة لتشديد العقوبات ضد إيران، ولكن مع الأخذ في الاعتبار إمكانية اللجوء إلى الإجراءات العسكرية إذا لم تنجح العقوبات في تغيير الموقف الإيراني. ومع ذلك فإن إدارة بوش، ورغم موقفها المتشدد بشكل عام، لم يسبق لها أن اتخذت، ولن تتخذ على الأرجح أي إجراء عسكري ضد إيران خلال العام المتبقي من عمرها. كذلك، فإنه رغم مواقف المرشحين الجمهوريين المعلنة، فإنه ليس من الواضح بعد ما إذا كانا يعتزمان اتخاذ الخطوات العسكرية اللازمة، حتى كخيار أخير، لكبح إيران النووية.

 وهناك اختلافات بسيطة بين مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي فيما يتعلق بالموقف من الحرب في أفغانستان، فالمرشحان الديمقراطيان يحاولان إثبات أن إدارة بوش قد أهملت جبهة أفغانستان وملاحقة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، كما حاولا أيضاً إثبات أن إدارة بوش ترددت في مواجهة الرئيس الباكستاني برفيز مشرف بإخفاق الجيش الباكستاني في العثور أو القبض على مقاتلي طالبان والقاعدة داخل باكستان. وفي هذا الصدد يدعو المرشحان الديمقراطيان إلى تحويل التركيز والاهتمام من جبهة العراق إلى جبهة أفغانستان. أما المرشحان الجمهوريان المضطران لانتهاج سياسة الرئيس بوش، إلى حد ما، فإنهما يؤيدان بشكل عام سياسة إدارة بوش في أفغانستان، ويحاولان إبراز التقدم الحادث هناك مع وعدٍ بمضاعفة جهود ملاحقة أسامة بن لادن. ومن المرجح أن يواصل الجمهوريون استقطاب الرئيس مشرف نحو السياسة الأمريكية بدلاً من استبعاده من خلال الضغط عليه بشدة للسماح للقوات الأمريكية بالعمل بشكل مستقل في المناطق الحدودية.

أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط فيختلف الحزبان الأمريكيان في الموقف من النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، فأي مرشح ديمقراطي يتم انتخابه سيكثف جهوده بدرجة أكبر من الجمهوريين لمواصلة مساعي الوساطة الأمريكية من أجل الوصول إلى تسوية بين إسرائيل والفلسطينيين. وهذا يتحقق على وجه الخصوص إذا فازت هيلاري كلينتون في الانتخابات؛ إذ سبق لإدارة زوجها أن سعت بجهود مكثفة إلى حل هذا النزاع، ومن المرجح أن تقوم هي من جديد بضم عدد من المستشارين الذين كانوا يعملون في إدارة زوجها، والذين يرون أن لذلك النزاع أولوية كبرى. فالعديد من هؤلاء المستشارين يعتقدون أن الرئيس السابق بيل كلينتون كان قريبا من التوصل إلى حل للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني والنزاع الإسرائيلي-السوري في نهاية فترة إدارته، وسيحاول أن يبدأ من حيث انتهى إذا فازت زوجته، مع الأخذ في الاعتبار الأحوال المتغيرة في المنطقة منذ ترك الرئيس كلينتون الرئاسة في عام 2001.

 أما المرشحون الجمهوريون الباقون فقد أشاروا بشكل عابر، في خطبهم ومقابلاتهم ومناظراتهم، إلى النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني كأولوية، وتوضح خطاباتهم ومواقفهم تلك أن الإدارة الجمهورية ستواصل العمل على دفع المفاوضات بين الجانبين على النحو الذي استأنفتها به إدارة بوش في يناير 2008، ولكنها لن تركز اهتمامها على هذا النزاع باعتباره وسيلة لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط ككل. فالإدارة الجمهورية قد لا تعّين، على سبيل المثال، مبعوثاً رئاسياً لمتابعة التقدم في المفاوضات بين الجانبين. ومع ذلك، فالآن وبعد أن انسحب محافظ نيويورك السابق رودولف جيلياني من السباق الجمهوري، فإنه من غير المحتمل أن تتحرك أي إدارة جمهورية جديدة في عكس السياسة الحالية للولايات المتحدة القائمة على الدعوة إلى حل الدولتين. فقد كان جيلياني هو المرشح الوحيد الذي يعارض تلك السياسة التي من المرجح أن تخلق، بحسب رأيه، دولة أخرى راعية للإرهاب في المنطقة.

Share