التعليم والفجوة بين الديوان والميدان

  • 10 فبراير 2010

لا نريد أن نربط التغييرات التي تحدث على مؤسسة التربية والتعليم في مجتمعنا، بالأشخاص الذين يتوالون على هذا الجهاز الذي يمثل في بعده الاستراتيجي جزءاً مهماً من الأمن القومي للوطن.;فمهما قمنا بتغيير المسؤولين عن هذه المنظومة القائدة، التي تتخرج الأجيال من تحت مظلتها، فإن الدقة في تحديد المطلوب تغييره أو تطويره يظل هو العامل الأكثر أهمية في إجراء التغيير المنشود في المنظومة التعليمية، وتحقيق قفزات محسوسة في الميدان (أي المجال العملي) قبل الديوان (أي مراكز اتخاذ القرار). ولن يتم ذلك إلا بدخول مراكز الأبحاث العلمية إلى هذه الساحة مستعينة بالأرقام والإحصاءات والتحليلات التي ترشد متخذ القرار إلى مواطن الخلل والقصور التي تحتاج إلى تغيير أو تعديل من أجل رفع كفاءة مخرجات العملية التعليمية بالشكل الذي يصب في النهاية في صالح خدمة الهدف الذي يسعى إليه صانع القرار والتمثل في رفع كفاءة العنصر البشري بوصفه أداة تحقيق التنمية وهدفها. ولا ينبغي أن يعهد بهذه المهمة أو العملية إلى شركات خاصة تتعاقد معنا لفترة محددة تسعى خلالها إلى تحقيق مصالحها الذاتية دون الاهتمام بالأهداف التي نرغب نحن فيها، حتى إذا ما ثبت فشل سياساتها عند أول احتكاك عملي بالميدان تحاول أن تتبرأ من مسؤولياتها، وننتقل نحن إلى مؤسسة أخرى لإصلاح الخلل الذي ترتب على ما كنا نعتبره تغييراً منشوداً.

إذا أقررنا في البداية بأن مؤسسة التربية والتعليم هي فعلاً مصانع الأجيال، فإن المصانع قد تعطل آلية عملها حبة رمل لا ترى بالعين المجردة، فكيف بنا إذا وجدنا أن ذات المصنع التربوي والتعليمي غير قادر على تغيير ما ينبغي تغييره، ولاسيما إذا كانت الرؤية غير واضحة والهدف غير محدد. ومن هنا يتعين أن تكون الاستراتيجيات والخطط الموضوعة واضحة ومحددة بدقة، ولا ينبغي قطع حبالها عند أول صدمة؛ لأن من مهمات تلك الخطط والاستراتيجيات تذليل الصعاب للانطلاق نحو تحقيق الأهداف الحيوية لهذه المنظومة ككل.

ولا يعني ذلك ردم المؤسسة التعليمية أو هدمها على رؤوس من تعبوا لعقود من أجل إقامة بنيانها، ولكن المقصود هو إصلاح جوانب القصور والخلل. وقد يكون من المهم هنا أن نؤكد نقطة في غاية الأهمية في أي نظام تربوي وتعليمي، وهي قدرة هذا النظام الذاتية على استحداث الحلول من واقع المشكلات التي تواجهه، والتي قد ينتج بعضها بفعل بعض القرارات غير المدروسة جيداً؛ لأن ما نشاهده أن هناك معركة ظاهرة أحياناً وخفية في أحايين أخرى بين ما يدور في كواليس الديوان، أي في مكان اتخاذ القرار، وواقع ما تموج به أرض الميدان. فهناك فجوة بين الأوامر الصادرة من متخذي القرار التعليمي وما يدور في أذهان منفذي السياسات التربوية أو التعليمية، الذين غالباً ما لا يؤخذ رأيهم في اتخاذ هذه القرارات، كأنه ميدان عسكري تسري عليه نظرية نفذ ولا تناقش، وحتى لو تم السماح لهم بإبداء آرائهم فإن ذلك يحدث عندما يكون وقت النقاش قد فات، ولا ينفع بعد ذلك رفع الصوت أو السوط.

ولا شك في أن المعرفة الدقيقة والتفصيلية بنوعية المنتج البشري الذي نرغب فيه ستساعد إلى حد بعيد في تحديد مسار التغيير الذي نريده للعملية التعليمية. فهل نرغب في منتج بشري يستجيب فقط لاحتياجات سوق العمل بعرضه وطلبه وتقلباته؟ أم نرغب في تخريج أجيال مؤهلة فكرياً وعلمياً تستطيع التعامل مع كافة التحديات والمستجدات، بعيداً عن اعتبارات السوق الذي قد يغرقنا أحياناً في شروطه المجحفة؛ لأنه ليس بالإمكان تلبية كل مطالب "السوق" من خلال مصانع الموارد البشرية؛ نظراً للفروقات الملحوظة والواضحة بين منتج وآخر وبين سوق وآخر.

هذا يجرنا الحديث إلى نظريات التعلّم التي تعتمد عليها الأنظمة التربوية والتعليمية في المجتمعات المناظرة لنا أو المتقدمة علينا في المنتج أو التقنية. فقد كانت هناك نداءات تلو أخرى لتخريج أجيال من المتعلمين من خارج سرب "التلقين"، وبعض المؤسسات المعنية فعلت ذلك بالفعل ولكنها وقعت في أسر "الآلية"؛ فخرجت أجيالاً ليس لها علاقة بالوسط المحيط بها، كلّ همها كان إتقان العمل بالحاسوب وتعلم اللغات الأجنبية، دون الاهتمام بجوهر الهدف من العملية التعليمية المتمثل في بناء العقلية المعرفية الناقدة للإنسان وربطه بثقافته ومحيطه. وهكذا وجدنا أنفسنا بعد سنوات من تجربة "الآلة" في أنظمة التربية والتعليم نشتكي من ضعف مخرجات التعليم العام، ورأينا أن التعليم الجامعي يهدر أموالاً طائلة لإصلاح هذا الخلل الذي يصاحب الخريج إلى موقع عمله، الذي وصل إلى درجة يوصف فيها بعض الخريجين  بأنهم لا يجيدون كتابة رسالة من سطرين بلغة عربية سليمة.

والحل بطبيعة الحال لا يكمن في استخدامات الحاسب الآلي أو تعلم اللغات الأجنبية، ومن يقل بذلك يضاعف من حدة الأزمة. فالآلة في ذاتها قد تكون وسيلة مساعدة في مرحلة ما، ولكنها لا تملك الحل الجذري لتقوية اللغة العربية أو التخفيف من قوة الإنجليزية على لسان أبنائنا، وتحقيق التوازن المطلوب هنا يكمن بيد المعلِّم، الذي تقع على عاتقه مسؤولية التوفيق بين استخدام الآلة بوصفها جهازاً مساعداً لتحقيق أهدافنا التربوية والتعليمية العامة، وبين بناء العقلية الفكرية للخريجين، الأمر الذي يعني أن الأولوية يجب أن تعطى للمعلم، الذي يجب أن يكون مؤهلاً لتحقيق التوازن المطلوب.

إن مجتمعنا التربوي والتعليمي يقف أمام تحدٍ بين تطوير المنظومة التعليمية التي تعد جزءاً من البناء الاجتماعي العام للمجتمع، الذي يشهد بدوره حراكاً غير مسبوق في تطلعاته نحو المستقبل، وبين الحفاظ على قيم وعادات وتقاليد راسخة في جذور القلوب والعقول التي تشربت الأصالة لقرون مضت. فالنظام التربوي سواء كان منظومة أو مؤسسة عامة أو خاصة لا يمكن أن يمارس دوره معزولاً عن الأنظمة الأخرى التي تدير دفة المجتمع، فالاقتصاد والاجتماع والثقافة وغيرها من المسارات كلها ملاصقة لذلك النظام الذي يتخرج منه سنوياً آلاف الخريجين الذين يبحثون لهم عن دور قد يكون غائباً عن الرؤية الآنية.

ولا شك في حقيقة أن مخرجات المصانع البشرية، هي التي تقود جزئيات هذا المجتمع نحو تحقيق كامل أهدافه في جميع المجالات، فهي الأدوات والآلات الحقيقية للدفع بالمسيرة التربوية والتعليمية نحو آفاق أبعد من مواضع أقدامها أو خطوط مد البصر لديها.غير أن ما نخوضه من تجارب ميدانية تكون في الغالب مرتجلة في جزئياتها وغامضة في كلياتها تثير التساؤلات حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه في بناء مستقبل الأجيال القادمة، وتخريج المنتجات البشرية التي نرغب فيها لاستكمال مسيرة هذا الوطن المعطاء، الذي لم يبخل عليه قادته أبدا ويسعون دوما إلى وضعه في مراتب المجتمعات المتقدمة.

إن الآمال غير مفقودة والهمم متقدة والعقول محفزة نحو تحقيق الإنجاز المطلوب في تطوير العملية التعليمية، ولكن ذلك بحاجة إلى نقطة ضوء تنير للجميع الطريق الذي يفك الإرباك الحاصل اليوم في أولويات التغيير في المنظومة التربوية والتعليمية؛ فالمؤسسة المعنية لم تحدد أولوياتها، فأحياناً من واقع الممارسة الميدانية نلاحظ أن المعلم لا يحظى بالأهمية التي يستحقها كونه معلم أجيال، ويكفي الكادر الذي يطوق عنقه دليلاً على ذلك، والمنهاج لا يشجع الطلبة على الذاتية والمبادرة والإبداع، فماذا بقي بعد ذلك غير الهيكل الذي لم يستقر حتى الآن على حال؟. وحتى على المدى المنظور، فإن استخدام أسلوب استشراف المستقبل يوقعنا أحياناً في أخطاء التوقعات أكثر من تحقيق المراد بالاستراتيجيات الخلاقة والمعتمدة لدى قمة السلطة السياسية في الدولة، التي لم تقصر في تهيئة الأجواء لتطوير مخرجات تلك المصانع البشرية بكل ما ييسر تحويلها إلى جزء من حياتها المرتبطة بماضٍ تليد وحاضر مشرف ومستقبل مليء بالطموحات العظام.

Share