التعليم في الإمارات: خطوة نحو حل مشكلات مزمنة

التعليم في الإمارات: خطوة نحو حل مشكلات مزمنة

  • 15 ديسمبر 2004

لا تعد "مشكلة التعليم" مصطلحاً جديداً على الساحتين السياسية والاجتماعية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ولكنها فرضت نفسها بقوة على مختلف فعاليات المجتمع خلال السنوات الأخيرة، وأثارت جدلاً، اتسم بالحدة أحياناً، حول أسباب تفاقم الأزمة التعليمية؛ ومظاهرها؛ والمسؤولين عنها؛ والحلول المقترحة للارتقاء بمستوى التعليم.

والغريب أن احتدام أزمة التعليم بالدولة تزامن مع إدراك متنام من جانب القيادة السياسية للدور المركزي للتعليم في عملية التنمية الشاملة، وهو ما يتجلى في الخطاب السياسي للمسؤولين من مختلف المستويات، والموقع المتقدم الذي يحتله التعليم على سلم الأولويات الوطنية.

تمثل مشكلة التعليم قاسماً مشتركاً بين الدول العربية جميعها، ومعظم الدول النامية. والمشكلة في جوهرها جزء من سياق حضاري وثقافي يرتبط بعملية بناء الدولة والمجتمع ككل، مما يجعل حل المشكلة، بالمعنى الحقيقي، مرتبطاً بإنجاز تحول اجتماعي وحضاري على مستوى أعمق وأوسع. غير أن ذلك لا ينفي حقيقتين مهمتين، أولاهما أن التعليم يمكن أن يكون القاطرة التي تقود عملية التطور الاجتماعي والسياسي المنشودة، والأداة الأكثر تأثيراً وفاعلية في إنضاج الشروط الملائمة له.

والحقيقة الثانية أن الأزمة التعليمية في دولة الإمارات لم تتفاقم نتيجة تناقضات جوهرية تجعل الوضع الحالي للتعليم حتمياً، وإنما كان تفاقمها، في كثير من وجوهه، محصلة مشكلات إدارية على مستوى التنظير والتطبيق معاً.

لقد أشار تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة لعام 2004، فيما يتعلق بالأوضاع التعليمية بدولة الإمارات، إلى تراجع نسبة الالتحاق بالتعليم الابتدائي إلى81% (حسب بيانات عام 2001-2002)، مقارنة بنسبة 100% عام 1990، وصنفت الدولة في مرتبة متأخرة بين دول العالم في التعليم الابتدائي، في التقرير الذي يحظى بمصداقية عالية عالمياً ومحلياً. وكان هذا التقييم الدولي جرس إنذار لا يمكن تجاهله، خاصة وقد احتدمت في الوقت نفسه أزمات تعليمية داخلية زادت المشهد تعقيداً.

على الجانب الآخر، يقتضي التقييم المحايد لمشكلة التعليم، الإشارة إلى أن الميزانية التي تخصصها الدولة للتعليم لا تتناسب بحال مع مقتضيات التطوير أو متطلبات النهوض بالعملية التعليمية من عثرتها. وعلى كثرة الإشارة إلى أهمية دور التعليم في الخطاب الرسمي، والدراسات المتعددة للتجارب التعليمية الناجحة في دول عدة جعلت التعليم منطلقاً لنهضتها الاقتصادية، والحديث عن ضرورة استلهامها، فإن هذه التوجهات السليمة لم تتم ترجمتها إلى واقع. وظلت الميزانيات الضئيلة المخصصة للتعليم والمشكلات الإدارية المزمنة شاهداً على غياب الوسائل اللازمة لإدراك الغايات الاستراتيجية المبتغاة من إصلاح وتفعيل العملية التعليمية.

إن أهدافاً مثل تأسيس "اقتصاد مبني على المعرفة"، أو "توليد الثروة" باستخدام الكفاءات العقلية والإبداع الذهني، أو تفعيل استخدام التقنيات الحديثة، ستظل مجرد اجتهادات نظرية أو أمنيات، ما لم ترصد لتحقيقها الميزانيات اللازمة، وتتوافر لتنفيذها بنى إدارية قادرة ومدركة.

للأرقام دلالاتها الواضحة عادة، وهي تختزن في بساطتها وحيادها كثيراً مما يمكن أن يقال. لقد بلغ صافي الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات 293 مليار درهم عام 2003، حسب بيانات وزارة التخطيط. وكانت الميزانية المخصصة للتعليم في العام نفسه هي 4 مليارات و 187 مليون درهم، أي ما يزيد قليلا على 1,4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة متواضعة. وحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2004، فإن نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي كانت 1,9% عام 1990، مما يعني تراجع الإنفاق بدرجة ملحوظة، في الوقت نفسه الذي كان فيه الاهتمام بالحديث عن التعليم يتزايد باطراد.

ربما يكون الوضع التعليمي غير المرضي في الدولة محصلة لتضافر العاملين السابقين معا؛ المشكلات الإدارية وضعف الإنفاق وتراجعه. وربما تكون العلاقة بين العاملين جدلية، وأنهما معا كانا يتبادلان التأثير والتأثر، فلم يكن مشجعاً للحكومة أن توجه مزيداً من المخصصات لمجال يتراجع، ولم يكن الحافز متوافراً لدى المؤسسة التي تشعر بقوة بالتجاهل والحيف.

على أي حال فقد وصلت الأمور إلى نقطة الاختناق، وكان التغيير الوزاري الذي اقترن بقدر واضح من التفاؤل والتوقعات الجيدة في مجال التعليم خصوصاً، فمن جهة فإن الوزير الجديد، معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، أقدر من يعرف مشكلات التعليم ما قبل الجامعي، على اعتبار أنه يتعامل مع مخرجات هذا التعليم منذ نحو ربع قرن، ويدرك جيداً نقاط ضعفه. وقد أجرت وزارة التعليم العالي سابقاً كثيراً من الدراسات المتخصصة في تقييم مخرجات التعليم ما قبل الجامعي، في سعيها إلى وضع أنسب الخطط والرؤى التعليمية المناسبة للمرحلة الجامعية.

ومن جهة أخرى فإن معالي الشيخ نهيان بن مبارك يمتلك تاريخا من الإنجاز، يجعل التفاؤل مبرراً. ويذكر المعنيون بالعملية التعليمية في الإمارات أن تجربتين أشرف عليهما الوزير الجديد، وهما كليات التقنية وجامعة زايد، حققتا نجاحاً ملحوظاً يشهد عليه سوق العمل الذي يمنح المتخرجين منهما فرصاً واسعة.

لقد وجد التفاؤل المبدئي ما يعززه ويدعمه بالخطوات التي اتخذها الشيخ نهيان في الفترة الأولى لتسلمه مسؤوليات الوزارة، وهي خطوات أشارت إلى روح جديدة ومفاهيم جديدة تعلن عن نفسها في العمل داخل وزارة التربية والتعليم.

لكن ثورة التوقعات حول الإصلاح السريع أو حل المشكلة التعليمية في فترة وجيزة ليست إلا ضرباً من التمني، يجافي الحقائق المتعلقة بصعوبات الوضع وتعقيداته، وطبيعة العملية التعليمية التي يتم تغييرها من الجذور، بروية وأناة ووعي. وربما يمكن إيقاف التراجع واتخاذ قرارات سريعة تضع الركب التعليمي على المسار الصحيح، وتتدارك المشكلات التي تحيط الآن بالعملية التعليمية من كل صوب. وهذا بحد ذاته سيكون إنجازاً يحسب لصاحبه.

ولن يكون ممكنا الحديث عن إصلاح التعليم دون رصد الميزانيات المناسبة، ودون تطوير البنى الإدارية التي تدير عملياته. ففي تقرير أعده البنك الدولي حول تطوير التعليم في الإمارات عام 2000، قدرت تكلفة التطوير بنحو 328 مليار درهم حتى عام 2020، أي بنحو 16,5 مليار درهم سنوياً، وهو ما يعادل نحو 5,6% من الناتج المحلي الإجمالي للعام الحالي. وهذه النسبة تعد مناسبة جداً، إذا علمنا أن 34 دولة من بين الدول التي تحتل صدارة الترتيب في تقرير التنمية البشرية لعام 2003، تزيد نسبة إنفاقها على التعليم على 5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وأن 13 دولة منها تزيد النسبة فيها على 4%. كما أن الفترة السابقة على التعديل الوزاري الأخير شهدت كثافة وتنوعاً شديدين في المشكلات الإدارية المتعلقة بأداء وزارة التربية والتعليم والشباب السابقة، الأمر الذي استلزم تغييراً يصب في اتجاه حل هاتين المشكلتين الرئيستين.

بالطبع فإن مشكلة التعليم لا يمكن حصرها في الجانبين المادي والإداري فقط، غير أن الخطوة السابقة تعد خطوة مفتاحية يمكن البناء عليها، والانطلاق منها إلى مقاربة الجوانب الأخرى للمشكلة، والعمل على حلها. وحالما تبدأ ثمار الجهود المبذولة في سبيل ذلك في الظهور، فإن عملية التنمية الشاملة، التي شهدت قفزات ضخمة في العقود الثلاثة الفائتة، ستتلقى دفعة نوعية جديدة، تتعلق بتحسين مردود استثمار الدولة في رأس مالها البشري.

Share