التعليم… الركن المكين

  • 23 أكتوبر 2011

مثّل المؤتمر السنوي الثاني للتعليم الذي عقده مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في مطلع شهر أكتوبر الحالي بعنوان: "مرتكزات التعليم المدرسي في دولة الإمارات العربية المتحدة"، فرصة مهمة للبحث في قضية حيوية لا تهمّ دولة الإمارات وحدها، بل تشغل حيزاً كبيراً من اهتمام كافة دول العالم، وهي  كيفية تطوير التعليم بوصفه ركيزة أساسية لتطوير المجتمعات البشرية وتقدمها في المجالات كافة، وهو أمر يحسب لهذا المركز البحثي المرموق الذي يمثل منبراً فكرياً لمناقشة جميع القضايا التي تهم الوطن، والبحث عن أفضل الحلول للتحديات التي تواجهه.

وكان جديراً بالملاحظة تركيز جلسات المؤتمر على ثلاث قضايا جوهرية لا يمكن لأي منظومة تعليمية القفز عليها أو تجاوزها إذا أرادت تحقيق التطور المستقبلي المنشود، وهي: كيفية الارتقاء بنوعية التعليم وجودته، والاهتمام بالمعلم، وتحسين مخرجات العملية التعليمية من خلال تعزيز التحصيل العلمي الفعال للطالب. هذه الأضلاع الثلاثة، المعلم والطالب والمنهج، هي أساس نجاح أي تجربة تعليمية، وهي التي قامت عليها التجربة السنغافورية على وجه التحديد، والتي تعد من التجارب المميزة في هذا الصدد، والتقصير في أي جانب منها سيكون له آثاره السلبية في أداء المنظومة التعليمية ومخرجاتها.

إن أي توجه لتحقيق التنمية البشرية المستدامة يتطلب إيلاء نوعية التعليم وجودته درجة أكبر من الاهتمام؛ فالتعليم هو الركن الرئيسي لأي استثمار ناجح في رأس المال البشري، والاهتمام المستمر بتطويره هو الضمانة لتخريج جيل قادر على التكيف مع مستجدات العصر وتحقيق الازدهار المستدام، وهذا يعني أن تطوير المناهج التعليمية باستمرار والاهتمام بمعايير الجودة، يمثل مطلباً أساسياً لتحقيق الأهداف المنشودة، أما إبقاء التعليم في وضع جامد، فهو يعني ببساطة القبول بالتخلف عن ركب التقدم وعن مسايرة التطورات المتسارعة في مجال المعرفة، التي هي أساس أي تقدم في عالم اليوم، وهو الأمر الذي عانت منه معظم نظم التعليم العربية، وهو أمر يمكن تبين نتائجه من خلال مقارنة مستوى تقدم هذه الدول بمثيلاتها التي سبقتها بدرجات متفاوتة في هذا المجال.

وقد أدركت دولة الإمارات هذه الحقيقة، فأولت التعليم اهتماماً خاصاً من كل النواحي، والدليل على ذلك أن الميزانيات المليونية التي كانت مخصصة للتعليم انتقلت إلى خانة المليارات، سواء أكان  ذلك على المستوى الاتحادي أم المحلي. فعلى سبيل المثال خصصت الميزانية الاتحادية لعام 2012 والتي بلغت 41.8 مليار درهم نحو 20٪ منها ( 8مليارات و200 مليون درهم) للتعليم العام والعالي، في حين أن ميزانية مجلس أبوظبي للتعليم تقارب خمسة مليارات درهم. وفي هذا دلالة واضحة على أن المال ليس عقبة أمام تطوير التعليم في الدولة وتحقيق الأهداف المبرمجة له في استراتيجية حكومة أبوظبي 2030 والحكومة الاتحادية 2021.

غير أن السؤال الكبير الذي نحن بحاجة إلى إجابة وافية عنه من خلال استراتيجيات الدولة في مجال التعليم المدرسي والجامعي والدراسات العليا، هو: ما هي نوعية مخرجات التعليم التي نحن بحاجة فعلية إليها في ظل واقع سوق العمل الذي تسيطر العمالة الوافدة على معظم قطاعاته، ولاسيما في القطاع الخاص؟ ففي قطاع التعليم وحده تبلغ نسبة مساهمة المواطنين نحو 10٪ فقط، كما ورد في إحدى أوراق العمل التي قُدمت في المؤتمر، شكل الإناث منهم ما نسبته 70٪ من إجمالي عدد المعلمين، والأسباب معروفة اجتماعياً وثقافياً.

هذا الوضع لا يمكن علاجه إلا من خلال استراتيجية طويلة المدى تشارك فيها وزارة التربية والتعليم، التي تعاني مباشرة من هذه الإشكالية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والجامعات التي تعد خريجي الكليات التربوية، ومن ثم وزارة المالية التي تساهم في إعداد الكادر المالي الخاص بالمعلم بالتعاون مع هيئة الموارد البشرية المعنية بالهيكل التنظيمي والدرجات الوظيفية المناسبة لأي عنصر بشري مواطن يريد الانخراط في سلك العملية التعليمية، إذ ينبغي أن يكون نصيب المواطن المعلم في سلم الترقي الوظيفي  مثل نصيب الآخرين في بقية الوزارات والهيئات والمؤسسات الاتحادية والمحلية بالدولة.

إن عملية تقييم المعلم، وهو الضلع الثاني في المنظومة التعليمية، إدارياً وفنياً، أمر ضروري جداً. وإن إضافة مزيد من الشروط لمزاولة هذه المهنة دون حدوث أي حراك للجانب المادي مقارنة ببقية الوظائف في الدولة أو حتى مقارنة ذلك بالمجتمعات الأخرى التي تعلي من شأن العلم كخطوة هامة للرقي بالتعليم بشكل عام، تحتاج إلى إعادة نظر. فبقاء المعلم في الدرجة الوظيفية ذاتها والكادر المالي نفسه يضع العقبة الأولى أمام أي استراتيجية تريد النهوض بالوضع التعليمي والتربوي في مجتمع الإمارات.

أما الضلع الثالث من هذا المثلث الهرمي للمنظومة التعليمية والتربوية، فيتعلق بالطالب، المُخرج النهائي للعملية التعليمية، وهنا ينبغي النظر إلى الطالب ليس فقط بوصفه متلقياً للعلم والمعرفة، وإنما بصفته مشاركاً في المنظومة التعليمية في كل ما يتعلق بتعليمه من أدوات تقنية أو مصطلحات تربوية وعلمية. فمقارنة بالأجيال السابقة التي عاصرت مرحلة نشأة الدولة وساهمت في ترسيخ أسسها، يواجه جيل اليوم تحدياً مهماً لمواكبة ما تشهده الدولة من إنجازات نوعية في مختلف المجالات والمحافظة عليها وترسيخها، وهذا لن يتم إلا من خلال الخريج القادر على التفكير الإيجابي لبناء حاضره وصنع مستقبله وفق أفضل ما في العصر من علوم ومعرفة وتقانة. ففي هذا العالم المعرفي المعولم يجب التركيز على تخريج الطالب النوعي الذي يستطيع القيام بالدور المنشود في الارتقاء بالدولة حاضراً ومستقبلاً، من خلال تفعيل الخطط المعدة سلفاً لتحقيق هذا الهدف.

إن الطالب في بداية رحلته الدراسية يمثل خامة قابلة للتشكل وفق ما هو مخطط له من خلال المناهج المصممة لتحقيق الأهداف التعليمية والتربوية، ومن هنا فإن التركيز يجب أن يكون على تنمية التفكير الإبداعي لدى الطالب حتى يستطيع التأقلم والتفاعل مع تقلبات العصر وتغيراته المتسارعة. أما إذا كان المطلوب هو أن يصاغ الطالب كالرجل الآلي، فإن ذلك يمكن تحقيقه من خلال التلقين وحده. ولاشك في أن المطلوب هنا هو تخريج طالب مفكر ومبدع لا يشبه "الروبوت" في شيء؛ لأن ذلك وحده هو الذي يحقق التنمية البشرية المستدامة. أما كيفية تحقيق ذلك، فهذا هو التحدي الحقيقي الذي تتعطل أمامه كثير من الخطط الطموحة التي تتضمن رؤى واضحة لكنها تصطدم بعقبات التنفيذ على أرض الواقع.

ومن هنا تجيء أهمية المطالبة بتطوير المناهج الدراسية التي يشتكي البعض من كثرة الحشو فيها على حساب المضمون المركز. فالمناهج التي تؤصل في الطالب التعلم الذاتي والتعليم المستمر الذي لا يقف عند مرحلة دراسية معينة وتساهم في بناء التفكير الإيجابي والبناء، هي التي تساعد في تحقيق الأهداف المنشودة، فالطالب يجب ألا يشعر بأنه مقيد بحرفية المنهج، وبدلاً من ذلك يجب فتح الآفاق المعرفية لدى الطالب وفق تعدد المصادر التعليمية المتاحة على نحو يسهم في تحقيق الهدف السابق.
 
ويفترض لضرورة هذا العصر الذي يشهد سباقاً تكنولوجياً متسارعاً، أن يتم التركيز على تخريج الطالب الذي يحمل المهارات الأساسية التي تعينه على الاستمرار في أي وظيفة مستقبلية في حياته المهنية ومواكبة متغيرات العصر، أي تبني رؤية مستقبلية تعمل على تطوير الواقع وتستشرف المستقبل. فأي خطة أو استراتيجية تضع في اعتبارها هذا البعد المستقبلي، لابد أن تكون ناجحة حتى لو تأخرت نتائجها، لأن طبيعة البناء الفكري التفاعلي للإنسان بشكل عام تحتاج إلى وقت كي تظهر نتائجها.

إن أي مشروع تعليمي تربوي لا يُعنى ببناء الفرد والمجتمع يهدد خطط المجتمع للتقدم والرقي. هنا يمكن فهم سبب مسارعة الولايات المتحدة إلى دق ناقوس الخطر عندما رفعت تقريرها في ثمانينيات القرن الماضي إلى الكونجرس بعنوان "أمة في خطر"، والذي شدد على ضرورة إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية لمواكبة ما هو قادم من تطورات.

لقد باتت سياسة تمكين التعليم بالدولة محوراً رئيسياً في توجه الإمارات نحو النهوض بالمجتمع في كافة المجالات، فالخطة الاستراتيجية الاتحادية للدولة 2021 والخطة الاستراتيجية لأبوظبي 2030، كلتاهما وضعتا التعليم في المقدمة لإيصال الدولة إلى المراتب المتقدمة على مستوى العالم. هذا هو الطموح الذي تدعمه القيادة الرشيدة بالدولة، والمطلوب من الجهات التنفيذية في الدولة هو الخطوات التنفيذية لتحقيق هذا الطموح وفق أرقى أدوات العصر.

Share