التعليم، والتفكير النقدي، وانتاجيه العمالة في منطقة الخليج العربي

د. عظمى أنذار: التعليم، والتفكير النقدي، وانتاجيه العمالة في منطقة الخليج العربي

  • 27 يوليو 2008

ظهر مفهوم "الترتيب الأسمى لمهارات التفكير" لأول مرة على يد التربوي الأمريكي بنيامين بلوم في كتاب له صدر عام 1956 بعنوان "تصنيف الأهداف التعليمية" (Taxonomy of Educational Objectives)، وفيه وضع المؤلف نماذج التعلّم استنادًا إلى عملية فكرية تسلسلية، مشيراً إلى أن التعلّم والأداء في مراحل متقدمة من العمر يعتمدان اعتماداً كلياً على التحصيل العلمي التربوي الذي اكتسبه الطفل في مرحلة مبكرة من عمره.  ويمكن تصوير النموذج الذي وضعه بنيامين بلوم للتفكير النقدي (أو ما يعرف بالتطور الذهني) على الشكل المرفق.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن النظم التعليمية المتطورة في العالم، كتلك الموجودة في دول متقدمة مثل فنلندا وكوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة، تولي اهتماماً بالغاً بمراحل التطور الذهني، الواردة في الشكل أعلاه، في إطار سعيها إلى تنمية قدرات التفكير والاستنتاج لدى طلابها. وتعمد هذه النظم إلى غرس مهارات التفكير الأسمى في المستوى التربوي المخصص لتدريب المعلم؛ حيث يخضع المعلمون المتدربون لتدريبات وممارسات دقيقة للغاية بهدف تطوير مهاراتهم الذهنية والفكرية على المستوى الشخصي، ويتلقون التوجيه بشأن السبل والوسائل الرامية إلى تعزيز قدرات التفكير الأسمى لدى طلابهم. وكان من ثمرة ذلك أن أعداداً غفيرة من الطلاب في تلك الدول أصبح لديهم القدرة على معالجة المعلومات وتحليلها وصولاً إلى مرحلة الإبداع الفكري، اعتماداً على تحصيلهم العلمي. ويعني ذلك أن إتاحة الفرصة للطلاب للتفكير بحرية في جو يسوده الاحترام لأفكارهم من شأنه المساهمة في إيجاد مجتمع "مفكر".

ولا شك في أن المجتمع المفكر هو مجتمعٌ منتج، وهذا الاستنتاج تثبته معدلات الإنتاجية المرتفعة للعمالة ومعدلات النمو الاقتصادي الكبيرة في كوريا الجنوبية وسنغافورة واليابان وفنلندا. فرغم أن الإنجليزية ليست اللغة الأولى في تلك الدول، ولا هي لغة التدريس في المدارس بها، فإن العمالة المحلية استطاعت الارتقاء بمستوى معيشتها، بل وأسهمت إيجابياً في تطوير حياة الأجانب من خلال ما يقدمونه على الدوام من تقنيات حديثة تتمثل في أحدث وسائل الاتصال وأرقى السيارات، الأمر الذي يثبت أن النظام التعليمي الذي يغرس مهارات التفكير الأسمى في طلابه سيحصد ثماراً تتعدى المنظومة التعليمية، لتصل إلى إيجاد قوة عمل محلية تتميز بالتطور والقدرة الدائمة على الاستمرار في المنافسة والتكيف مع الأحداث.

ورغم أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية حققت تقدماً أكيداً فيما يتعلق بتطوير البنية التحتية للمنظومة التعليمية وتوفير فرص التعليم لجميع مواطنيها، فإن اكتساب مهارات التفكير الأسمى لا يزال يشكل جانباً مغفلاً في إطار المنظومة التعليمية الموجودة في دول المجلس حتى اليوم (المرحلة الثالثة أعلاه)، وهذه حقيقة ماثلة بين أيدينا، لا سيما على مستوى المواطنين الذكور في دول المجلس؛ إذ تشير الإحصاءات إلى تأخرهم في المستوى الدراسي، وفي الالتحاق بسوق العمل لدى القطاع الخاص. وبالرغم من التقدم الذي حققته الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت ودول المجلس الأخرى في مجال تطوير المنظومة التعليمية خلال السنوات القليلة الماضية، فإن الحاجة لا تزال قائمة للتركيز بصورة أكبر على الارتقاء بجودة التعليم، وربط معدلات التغير فيه نحو الأفضل بما هو ملموس في القطاع الاقتصادي المزدهر في هذه الدول.

وهناك عدد وافر من الطلاب في دول المجلس يحسنون مرحلتي "التذكر" و"الفهم" من مراحل التطور الذهني (يرجى الرجوع إلى الشكل أعلاه)، علماً بأن هاتين المرحلتين هما مرحلتان مبكرتان ينبغي للطالب فيهما تذكر (استدعاء) المعرفة وتكرارها في الوقت المناسب. ولكن تطبيق المعارف الجديدة وتناولها بالنقد والتحليل والتقييم وصولاً إلى الإبداع فيها (المرحلة الثالثة) ما تزال ضمن الجوانب التي يفتقر فيها طلاب دول المجلس إلى التوجيه والتشجيع، وهذا الأمر ينطبق على جميع المراحل التعليمية، بدءًا من رياض الأطفال، مرورًا بمراحل التعليم الأساسي والثانوي، وانتهاءً بالمرحلة الجامعية وما فوق.

إن تطوير القدرة على "حل المشكلات" ينطوي على التحليل المنطقي وتطبيق معارف بعينها والتعاطي مع المعلومات والأفكار المطروحة على نحو يثمر عن خطوات ونتائج أكثر تقدماً وتطوراً، ولا شك في أن قوة العمل المسلحة بهذا النوع من التفكير تتفوق تفوقاً باهراً على العمالة التي تعمل في بيئة تمضي بسياسة الأمر الواقع دون إعمال للفكر وأوجه الإبداع.

وبالتالي؛ فإن تسليح شباب دول مجلس التعاون بمهارات "حل المشكلات"، أصبح يمثل ضرورة ملحة في الوقت الراهن، لاسيما في ظل اتساع نطاق عمل القطاع الخاص بقدراته التنافسية المتفوقة واتجاهه نحو الانفراد تدريجياً بتوفير فرص العمل في المنطقة. ورغم توافر العديد من فرص الدراسة في مراحل التعليم الأساسي والجامعي، إلى جانب البرامج الحكومية لتوظيف المواطنين، فإن شباب دول المجلس يواجهون تحديات جسام إزاء كيفية الحصول على وظائف لدى القطاع الخاص الآخذة في الانتشار والازدهار في هذه الدول.

فعلى سبيل المثال، انتهت دراسة أجرتها جامعة الشارقة في عام 2006 إلى أن نحو 33% من إجمالي المواطنين الجامعيين و48% من إجمالي المواطنات الجامعيات لم يحظوا بفرصة عمل حتى وقت إجراء الدراسة. وطبقاً للإحصاءات الرسمية في الإمارات فإن استمرار الاتجاه الحالي سيؤدي إلى حضور ضعيف للمواطنين في سوق العمل الخاص بنسبة تقل عن 8% من إجمالي قوة العمل في هذا القطاع بحلول عام 2009، وستنخفض هذه النسبة بحلول عام 2020 لتصل إلى أقل من 4% من إجمالي قوة العمل في القطاع الخاص بالدولة. وبالمثل، يوضح خبر نشر عام 2007 في إحدى الصحف القطرية الأكثر انتشاراً، أن نسبة القطريين من إجمالي قوة العمل في البلاد لا تزيد عن 12%، وأن نسبتهم في القطاع الخاص لا تتجاوز 1%، علماً بأن هذه النسبة الضئيلة تنطبق على جميع مجالات العمل في البلاد، لا سيما الوظائف ذات الطبيعة المهنية والفنية. ولا يخفى أن الكويت والبحرين والسعودية وغيرها من دول المجلس تواجه المعضلة ذاتها. يأتي هذا في الوقت الذي اقترب فيه قطاع التوظيف الحكومي في معظم دول المجلس من نقطة التشبع، ما يعني عدم قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات.

ولا تكمن المشكلة في إحجام القطاع الخاص عن الاستعانة بمواطني دول المجلس، ولكن الواقع يشهد بأن القطاع الخاص الخليجي يعمل في بيئة تتميز بالتنافسية الشديدة، مما يتطلب الاستعانة بعمالة تتحمس للعمل وتتميز بالالتزام والذكاء والمبادرة دون الحاجة للتوجيه أو الإشراف في كل صغيرة وكبيرة. ويعني ذلك أن العمل في القطاع الخاص يتطلب قدرات خاصة من العمالة فيما يتعلق بامتلاك مهارات التفكير الإبداعي وحل المشكلات، لكن معظم النظم المدرسية في دول مجلس التعاون -للأسف- لا تعد طلابها إعداداً يؤهلهم لمواجهة هذه التحديات والمتطلبات، الأمر الذي عجز معه الباحثون عن فرص العمل في دول المجلس عن إظهار قدرات تناسب معايير الإنتاج المعتمدة لدى القطاع الخاص، وهو ما أدى بدوره إلى إحجامهم عن العمل في هذا القطاع، أو الانقطاع عن العمل فيه بعد وقت قصير من الانضمام إليه.

ومن ثمّ، يتعين على القائمين على النظم التعليمية في دول المجلس مراعاة متطلبات سوق العمل (في القطاعين العام والخاص) على الدوام، وتطوير هذه النظم بما يلبي تلك المتطلبات. وفي هذا السياق، أعلنت إمارة أبو ظبي مؤخرًا أنها تعمل من أجل جعل حكومة أبوظبي من أكفأ حكومات العالم، غير أن تحقيق هذا الهدف السامي يقتضي استعانة القطاع الحكومي في البلاد بعمالة محلية ذات مراحل راقية من التعليم والمهارات، كما يتعين على هذه العمالة أيضاً التحلي بالقدرة على العمل الشاق والتفكير الإبداعي. وينسحب الأمر ذاته على الحالة القطرية؛ فقطر تسعى جاهدةً لتكون المركز المالي بالمنطقة مما يستلزم توافر عمالة محلية مبدعة لإدارة هذه المنظومة المالية المنشودة وتطويرها بصفة مستمرة، ولا تختلف باقي دول المجلس عن الإمارات وقطر في شيء، فهي مطالبة بالأمر ذاته في ظل التحولات الاقتصادية غير المسبوقة على أراضيها.

علاوة على ذلك، يتعين على النظم التعليمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اعتماد برامج تحفز الجانب الفكري والإبداعي لدى الطلاب، إلى جانب إكسابهم مهارات التعلم الأساسية وتحليل المعلومات، ولا بد من توجيه الطلاب منذ نعومة أظفارهم إلى الجد والاجتهاد على أن يلقوا في مقابل ذلك مكافآت وجوائز حقيقية على مستوى الفصول الدراسية، وبذلك تترسخ لديهم العلاقة بين الاجتهاد والمكافآت، وكلما بكرنا بغرس هذا الاتجاه في حياة الطالب جنينا ثمراً وفيراً وخيراً عميماً، فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر.

إن تنمية مهارات التفكير تستلزم تدريب المعلمين على إيجاد أجواء دراسية مفعمة بالأنشطة التي تركز على الطالب في المقام الأول، كما ينبغي على المعلمين اكتساب مهارة طرح الأسئلة التي تستحث تفكير الطلاب في الفصول بما يدفعهم إلى التفكير والموازنة بين الإجابات المتاحة قبل الاختيار من بينها. وبعد ذلك، يأتي دور الواجبات المنزلية التي ينبغي أن تنطوي على مساحة بحثية بتوجيه من المعلم يبحث خلالها الطالب مختلف الخيارات ويجد في سبيلها التشجيع على القياس والتفكير المنطقي السليم (المقارنة والمناظرة) بما ينمي لديه ملكة التفكير المنظم والإبداع، فكل ذلك من أسس الرقي في العمل والإنتاج في جميع أسواق العمل على اختلاف مشاربها.

لقد أثبت الواقع العملي أن تبني نظام تعليمي سليم ينمّي قدرات الطالب ويرسخ في ذهنه مهارات حياتية أساسية في جوانب التعلم وحل المشكلات. ومن المعلوم أن الخبرات التعليمية الإيجابية، التي تتسم بالتنظيم وتُكسِب الطالب مهارات التقييم والتحليل شريطة تعزيزها في كل مراحل التعليم- تمثل مقومات أساسية لبناء مجتمع صحيح منتج. ولا شك في أن تنامي الحضور السياسي والاقتصادي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على الصعيد العالمي يحتّم تسليح مواطنيها بأسس العلم والمعرفة للنهوض بمجتمعاتهم في شتى الميادين، نهوضًا تتقلص معه نسبة الاعتماد على العمالة الأجنبية.

Share