التعطيل يقتل المبادرة العربية في لبنان

د. عماد حرب: التعطيل يقتل المبادرة العربية في لبنان

  • 29 يناير 2008

تبرهن الأزمة اللبنانية على حقيقة أن التفاؤل غير مجدٍ حول بلد تتكاتف فيه العوامل الداخلية والخارجية لمنع الوصول إلى قرارات سياسية منطقية. وهذه المرة، ظهر التفاؤل في شكل مبادرة عربية جماعية متكاملة اتفق عليها وزراء الخارجية العرب. ولكن المحصلة النهائية للمباحثات التي أُجريت حول المبادرة منذ إطلاقها في الخامس من كانون الثاني/يناير 2008، كانت أقل بكثير مما كان مأمولاً به. فقد أخذت مهمة تنفيذ المبادرة الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى إلى بيروت ودمشق، ولكن من دون جدوى؛ كما عقد اجتماع آخر لوزراء الخارجية في السابع والعشرين من  الشهر نفسه لم يأت بنتيجة أو تسوية مقبولة تحسم الأزمة القائمة؛ حيث حاولت سورية فرض معادلة غير قابلة للتطبيق، كما تفاقم الوضع الأمني في لبنان؛ إذ قتل ثمانية أشخاص نتيجة احتجاجات جمهور المعارضة واشتباكها مع الجيش، وذلك بعد أيام قليلة من اغتيال نقيب في الشرطة عمل على حل ألغاز الاغتيالات السياسية السابقة في البلد. وها هو لبنان يترنح ثانية فوق الهوة التي يعرف الجميع ما يمكن أن تخبئه في أعماقها.

لقد ولدت المبادرة العربية في مطلع هذا الشهر من رحم القلق العربي بشأن إمكانية انفلات الوضع الأمني في لبنان، بل والخوف من انزلاقه إلى الحرب الأهلية، كما جاءت كنتيجة للضغط العربي على دمشق كي تضغط بدورها على حلفائها اللبنانيين ليسمحوا بانتخاب سليمان رئيساً للجمهورية؛ حيث ذكرت الأنباء أن المملكة العربية السعودية ومصر هددتا بمقاطعة القمة العربية المقررة في دمشق في أواخر آذار/مارس القادم، مما استدعى تدخلاً مباشراً وسريعاً من جانب قطر وسلطنة عُمان لدى دمشق وإيران للموافقة على عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب في القاهرة لتسهيل المبادرة. وقد حضر وزير الخارجية السوري وليد المعلم الاجتماع ووافق على المبادرة. كما وضع الوزراء جدولاً لتنفيذها وطلبوا من السيد عمرو موسى أن يرفع تقريراً إلى اجتماع آخر يعقد في السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير توخّوا أن يشمل خبر انتهاء الانتخابات الرئاسية اللبنانية.

وتشمل بنود المبادرة العربية الانتخاب الفوري للعماد سليمان رئيساً، وتشكيل حكومة وحدة وطنية حسب الأصول الدستورية المتبعة، وصياغة قانون جديد للانتخابات النيابية، وهو مطلب تتفق عليه كل القوى السياسية، غير أن المبادرة ركزت بشكل واضح على ضرورة إنجاز الانتخابات الرئاسية قبل أي شيء آخر. وبالحقيقة، طالما أن الجميع كانوا قد وافقوا على سليمان رئيساً توافقياً، فقد رأى واضعو المبادرة أن إتمام عملية انتخابه ستفسح المجال لإعادة الحياة للسلام السياسي اللبناني. ولأن موسى كان على علم مسبق بأن المعارضة اللبنانية تريد أن تبحث ما قد يحدث في فترة ما بعد الانتخاب؛ حيث أن قادتها عطلوا كل الجلسات السابقة لانتخاب رئيس جديد لأنهم أرادوا البت أولاً بالحقائب الوزارية التي عادة ما يُبحث بها بعد اختيار الرئيس، ولهذا أتى إلى بيروت بتفسير للمبادرة يؤسس لمعادلة حول تقسيم الحقائب الوزارية في الحكومة الجديدة يعطي للأغلبية البرلمانية (التي وافقت عليها) عدداً أكبر بقليل من العشرة المخصصة للمعارضة، على أن يأخذ الرئيس الجديد العدد المتبقي من الحقائب. (في آخر طرح لموسى والأغلبية، وهو الذي اعترض عليه أركان المعارضة، كان هذا التوزيع على أساس 13 للأغلبية و10 للمعارضة و7 لرئيس الجمهورية).

وهنا واجهت المبادرة ما يراه كثيرون أنه موتها المفاجئ وقبل الأوان؛ فمنذ خريف 2006، أصر قادة المعارضة على تأمين عدد كافٍ من المقاعد الوزارية (الثلث زائداً واحد) بما يسمح لهم بتعطيل عمل الحكومة بحسب النص الدستوري (وهذا ما درج على تسميته الثلث المعطل). والآن تطالب المعارضة بمعادلة تقسم الحكومة اللبنانية العتيدة إلى ثلاثة أثلاث تحصل منها هي على عشرة مقاعد، بينما يحصل رئيس الجمهورية والأغلبية على عشرة لكل منهما. وتصر المعارضة على هذه المعادلة قبل أن تَعِد بتأمين النصاب القانوني لعقد جلسة لتعديل الدستور بما يسمح بانتخاب العماد سليمان رئيساً.

ويصر عمرو موسى والأغلبية على انتخاب الرئيس أولاً وبعدها يجري التباحث حول المعادلة الحكومية التي ترى الأغلبية، بحق وبحسب الدستور، أنه يجب أن يشترك في تقريرها الرئيس بعد انتخابه. كما أن الأغلبية تخشى من أن المعارضة مصممة على تعطيل جميع التسويات السياسية لفرض انهيار مؤسسات الدولة الذي، إن حصل، سيتسبب بإلغاء العمل بالقرار الدولي المتعلق بالمحكمة الدولية التي ستقاضي الضالعين باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وبوقف تطبيق قراري مجلس الأمن الدولي رقم 1559 لعام 2004 والداعي لحل الميليشيات غير الشرعية و1701 الذي أنهى الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006. وأكثر ما تخافه الأغلبية من هذا الانهيار هو أن يتمكن حزب الله المدجج بالسلاح من السيطرة على الحياة السياسية وإنهاء التعددية والحريات السياسية في البلد.

ولم يكن نصيب زيارة موسى إلى دمشق أفضل بكثير من زيارته لبيروت ولقاءاته مع زعماء المعارضة. فقد تبين بعد زيارته لدمشق أن مطالب المعارضة هي بالحقيقة مطالب القيادة السورية. كما أصبح ظاهراً أن قبول سورية للمبادرة العربية لم يكن سوى مناورة لإقناع الزعماء العرب بأن دمشق مع الإجماع العربي حول لبنان، بينما كان القادة السوريون يرفضون عودة الحياة السياسية والدستورية اللبنانية العادية. على أي حال، ونتيجة لموقف المعارضة وداعميها السوريين، تأجلت الجلسة النيابية لانتخاب الرئيس للمرة الثانية عشر من 21 كانون الثاني/يناير إلى 11 شباط/فبراير 2008. وما خمّنه بعض اللبنانيين في الخريف الماضي حول احتمال تأجيل الانتخابات الرئاسية اللبنانية إلى ما بعد القمة العربية في دمشق كي تستطيع سورية توظيفها لتحسين موقعها العربي قد يكون تحقق بالفعل.

لا يمكن لأحد أن ينكر أن القضايا اللبنانية مرتبطة ارتباطاً عضوياً مع قضايا الشرق الأوسط أو حتى مع العالم الأوسع. فإيران تعتمد على علاقاتها الحميمة مع حزب الله وحركة "أمل" الشيعيين لتؤثر بشكل إيجابي على تعامل المنظومة الدولية مع ملفها النووي ودورها في الخليج العربي. وسورية تتمتع بحقيقة أن وجودها الطويل في لبنان سمح لها بتطوير علاقات يمكن أن تستخدمها للتأثير على حظوظها في مباحثات سلام مع إسرائيل، أو في عملية إعادتها إلى صلب الحياة السياسية اللبنانية. أما السعودية ومصر وفرنسا والولايات المتحدة فهم يقدّرون الدور الذي يلعبه أصدقاؤهم في الكيان السياسي اللبناني لإبقاء البلد بعيداً عن معسكر الرافضين في المنطقة. وللكل حساباتهم ومصالحهم، ولكن أحداً منهم لا يشعر أن يهتم بالتبعات المباشرة "للسياسة الصلبة" على لبنان واللبنانيين ومستقبلهم.

ولكن لا يمكن أن ينسى المرء أن الزعماء اللبنانيين يستطيعون أن يكونوا أحراراً في قراراتهم إن شاؤوا تقديم مصالح لبنان. وقد تسير المبادرة العربية بنفس خطى المبادرة الفرنسية الفاشلة قبلها وتلاقي المصير الذي لاقته المساعي السعودية والمصرية قبل ذلك. ولكن ما يبقى هو حقيقة أن التعطيل يدمر البلد وديمقراطيته ومستقبله.

Share