التعديلات الدستورية وآفاق عملية التطور الديمقراطي في مصر

د.أحمد منيسي: التعديلات الدستورية وآفاق عملية التطور الديمقراطي في مصر

  • 1 أبريل 2007

شهدت مصر حزمة من التعديلات الدستورية أقرت في استفتاء عام، عقد في السادس والعشرين من مارس/آذار (2007). ووفقاً للمصادر الرسمية، فإن نسبة المشاركة بلغت 27.1%، وحاز التعديل قبول 75.9% من الذين شاركوا في الاستفتاء، وقد كذبت مصادر المعارضة ومصادر مستقلة متنوعة، هذه النسب جملة وتفصيلاً؛ حيث أكدت  المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن نسبة المشاركة كانت بين 2 و3%، وربما وصلت في أحسن الأحوال إلى 7% باختلاف المناطق.

وبموجب هذه التعديلات، فقد تم تعديل 34 مادة من الدستور المصري الذي وضع عام 1971، وشهد منذ ذلك الحين عدداً من التعديلات، لكن أكبرها وأهمها، هذه التعديلات الأخيرة، التي تعد محطة فاصلة في تاريخ عملية التطور الديمقراطي في مصر.

وشملت هذه التعديلات مواد دستورية تعد ركيزة أساسية للحياة السياسية وهوية النظام السياسي في مصر. وعلى الرغم من تعدد المواد التي امتدت إليها يد التغيير، إلا أنه يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات رئيسة:

– المجموعة الأولى، تشمل تلك المواد التي كانت تؤكد الهوية "الاشتراكية" للبلاد، مثل النص على ملكية الشعب لوسائل الإنتاج، وقد تم حذف هذه المواد، واستبدلت بأخرى تصبغ البلاد بالطابع الاقتصادي الرأسمالي. والحاصل أن وجود هذه المواد لم يكن له قيمة واقعية تذكر؛ حيث إن البلاد تسير حثيثاً، وعلى خلاف ما ينص الدستور، في اتجاه تحرير الاقتصاد وإلغاء الملكية العامة منذ بدأ ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي في مطلع العقد الماضي. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه المواد كانت تمثل حصناً للفقراء والفلاحين والعمال في وجه تغول الدولة الرأسمالية، وتخليها عن دورها الاجتماعي في رعاية الطبقات الاجتماعية الضعيفة.

– المجموعة الثانية، خاصة بنظام توزيع السلطة والقرار داخل هيكل النظام السياسي؛ حيث تم سحب بعض صلاحيات الرئيس لصالح مؤسسات أخرى، مثل رئيس الوزراء والبرلمان، أو تم إشراك هذه المؤسسات في صنع القرار مع رئيس الدولة. والحاصل أن مثل هذه التعديلات كانت مطلوبة بالفعل، وذلك في ضوء السلطات الواسعة للغاية التي ينص عليها الدستور لصالح الرئيس، ولكن ما حدث من تعديلات لا يضمن التوزيع المطلوب للسلطات في نظام سياسي يفترض أنه يقوم على المبدأ الرئاسي؛ حيث بقيت سطوة الرئيس قائمة على باقي السلطات، ولم تضمن التعديلات فصلاً حقيقياً بين السلطات. ومن أخطر ما تضمنته التعديلات المندرجة في سياق هذه المجموعة، إعطاء الرئيس حق حل مجلس الشعب بإرادته المنفردة دون الحاجة إلى إجراء استفتاء عام، وذلك وفقا لمنطوق المادة (136) المعدلة. 

– المجموعة الثالثة، وهي الأخطر، وتنصرف إلى الجوانب الخاصة بضمانات الحريات العامة وتنظيم الانتخابات ومباشرة الحقوق السياسية. وفي هذا السياق، فإن ثمة ثلاثة تعديلات، قوبلت برفض مجتمعي وسياسي عارم: الأول، تمثل في شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية المادة (76)، وكانت هذه المادة قد عدلت عام 2005؛ حيث أتاحت المنافسة للمرة الأولى على رئاسة الجمهورية وألغت نظام الاستفتاء الذي كان معمولاً به منذ وضع الدستور عام 1971. ولكنها وضعت شروطاً تعجيزية أمام عملية الترشيح؛ إذ نصت على ضرورة أن يحصل المرشح المستقل من خارج الأحزاب على تأييد 250 عضواً من أعضاء مجالس الشعب والشورى والمحليات يكون من بينهم 65 عضواً في مجلس الشعب، و25 عضوا بمجلس الشورى، وعشرة أعضاء من كل مجلس محلي في 14 محافظة بحد أدنى، ويستكمل العشرون الآخرون من بين أعضاء المجالس الثلاثة. وفيما يتعلق بمرشحي الأحزاب نصت على أن يكون الحزب الذي ينتمي إليه المرشح ممثلاً في البرلمان بنسبة لا تقل عن 5% من المقاعد، وفي التعديل الجديد (تعديل التعديل)، تم تخفيض هذه النسبة إلى 3% فقط، ولكن تم حرمان المستقلين من الترشيح. ويبدو أن هذا النص الذي يتجاهل حقيقة أن الأحزاب ليس لها وجود حقيقي في الشارع، وأن أكثر من 97% من المصريين غير منضمين إلى أحزاب سياسية، قصد به جماعة الإخوان المسلمين، التي تعد القوة السياسية الكبرى في الساحة المصرية على الرغم من أنها ماتزال محجوبة عن المشروعية.

 أما التعديل الثاني، فيتمثل في المادة (88) والتي كانت تنص على الإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية، فأصبحت بعد تعديلها تقصر هذا الإشراف على اللجان العامة فقط، ويبدو أن هذا التعديل جاء بدوره على خلفية المشكلات التي ثارت بين الحكومة والقضاء، الذي كشف عن تجاوزات هائلة في الانتخابات البرلمانية الماضية عام 2005، وحدّ من قدرة الحكومة على تجيير نتائج تلك الانتخابات بالكامل لصالح الحزب الوطني، كما كان يحدث قبل الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، الأمر الذي نجم عنه وصول 88 من جماعة الإخوان المسلمين إلى مجلس الشعب.

 أما التعديل الثالث، فهو خاص بالمادة (179) والمتعلقة بقانون الإرهاب، وهذا التعديل عصف بالضمانات المكفولة للحريات العامة من خلال مواد أخرى بالدستور. وبسبب خطورة ما تضمنته هذه المادة بعد تعديلها فقد وجهت منظمات دولية عدة انتقادات قاسية للنظام الحاكم، وكان من بين هذه المنظمات منظمة العفو الدولية، التي طالبت بوقف هذا التعديل، والمجموعة الدولية للأزمات، التي وصف التعديلات بأنها "انتكاسة دستورية".   

وقد كشفت طريقة إقرار التعديلات الدستورية في مجلس الشعب (البرلمان) وما فجرته من جدل ساخن عن جملة من الدلالات المهمة ذات الصلة بآفاق عملية التطور الديمقراطي في البلاد، وذلك على أكثر من صعيد:

(1) تم إقرار التعديلات الدستورية التي تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ البلاد من قبل تيار واحد، هو الحزب الوطني الحاكم، دون موافقة أيُ من أعضاء المعارضة بفصائلها المختلفة أو المستقلين، وهذا يعني انفراد فصيل سياسي واحد بصياغة مستقبل البلاد، وذلك على الرغم من أن الحزب الوطني، والذي يمتلك بالفعل الأغلبية الكاسحة في المجلس، ليس هو الحزب المعبر الحقيقي عن أغلبية الشارع، فهو أقرب ما يكون إلى جهاز من أجهزة الدولة، وفي الانتخابات الأخيرة التي أجريت عام 2005، تحت إشراف قضائي كامل، حصل الحزب على أقل من ثلث مقاعد المجلس البالغ عددها 444 عضواً منتخباً، قبل أن يضم إليه عدد كبير من المستقلين الذين نجحوا في الانتخابات، ليحقق هذه الأغلبية.  

(2) تم إقرار التعديلات الدستورية (34 مادة) التي وردت من الرئيس "حسني مبارك" دون أن يغير مجلس الشعب منها حرفاً واحداً؛ حيث رفضت أغلبية الحزب الوطني كل المقترحات التي تقدم بها نواب المعارضة والمستقلين، ولم تغير هذه الأغلبية في مضمون التعديلات شيئاً بالحذف أو الإضافة، ولهذا الأمر دلالاته المهمة بطبيعة الحال، سواء فيما يخص دور مجلس الشعب أو طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

(3) تم إقرار التعديلات في ضوء رفض سياسي ومجتمعي ومدني كبير، وقد تم التعبير عن هذا الرفض بوسائل شتى، من بينها، التظاهرات في الشارع وأمام مبنى البرلمان، وهي التظاهرات التي ووجهت بعنف قاس من قبل قوات الأمن، ولكن الحزب الوطني قام بفرض هذه التعديلات فرضاً، الأمر الذي يعني، المزيد من عزلة ولا شرعية النظام الحاكم. وبخاصة في ضوء التعديل الذي أدخل على المادة (88)، الذي سيضاعف حالة عدم ثقة الشعب في هذا النظام، حيث كانت تلك المادة الضمانة الأساسية لدى الناخبين في مواجهة تراث ثقيل من تزوير الانتخابات.

(4) تجاهلت التعديلات جملة من المواد الدستورية التي كان ينبغي تعديلها، وفي مقدمتها المادة (77) التي تنص على عدم تحديد سقف معين للمدد الرئاسية، وهو ما يعني زيف الإدعاءات بأن هذه التعديلات ستقود إلى تفعيل عملية الإصلاح السياسي، وتقوية التكهنات التي تقول بأن الهدف الخفي من وراء كل ما يجري هو تمهيد الساحة السياسية لمشروع توريث السلطة. وفي السياق نفسه، فإن القيود التعجيزية على عملية الترشيح لمنصب الرئيس وحرمان المستقلين من الترشيح لرئاسة الدولة، يلغي فرص التداول السلمي للسلطة، وهذا الأمر يحدث في ظل احتقان سياسي ومجتمعي متنام. وهنا مكمن الخطورة من أن يقود ذلك إلى انفجار عشوائي مدمر.

(5) كشفت عملية إقرار التعديلات، عن تنامي حالة الاستقطاب السياسي في مصر، بين الحزب الوطني من جهة، وباقي قوى المعارضة والمستقلين من جهة أخرى، ومثل هذا الاستقطاب، يعني غياب فرص حصول توافق بين الجانبين على مشروع للتحول الديمقراطي يخرج البلاد من الأزمة الهيكلية التي تعيشها، ويضعها في المكانة التي تستحقها في عالم اليوم، ما يعني المزيد من التراكم في هذه الأزمة، وبالتالي تأثيراتها الخطيرة.

وعلى أي الأحوال، فإن هذه التعديلات التي هدفت بشكل واضح إلى حصار عملية التطور الديمقراطي وتجييرها لصالح تيار سياسي واحد، هو الحزب الحاكم، لن تستطيع تحقيق هذا الهدف، على الأقل بشكل كامل، فالحزب الوطني وعلى الرغم من سيطرته المطلقة على كافة مفاتيح الحياة السياسية، فإنه لم يعد اللاعب الوحيد في الساحة، ذلك أن حالة الحراك السياسي التي تعيشها البلاد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة على وجه التحديد، قد نجحت في إفراز لاعبين جدد بجانب الحزب الحاكم، وإذا كان هذا الحزب قد كسب جولة التعديلات الدستورية، وهو الأقوى حالياً، فإن هذا الحراك يصب في سبيل دعم القوى المنافسة له، وبالتالي في سبيل إضعافه.

 وثمة عوامل عدة تصب فى سبيل المزيد من إذكاء حالة الحراك السياسي التي تشهدها البلاد، ومن أهم هذه العوامل: التحولات العميقة التى شهدتها البنية المجتمعية، وكان من أهم إفرازاتها ظهور قوى اجتماعية وسياسية ومدنية جديدة ترفض استمرار احتكار السلطة، وتنامي حجم ودور الأجيال الجديدة الرافضة لاستمرار غياب الديمقراطية عن الواقع المصري، وما أفرزه ذلك الغياب من تراجع وتدهور شديدين على الصعيدين الداخلي والخارجي. وعلى هذا النحو، فإن الساحة السياسية المصرية، لن تظل جامدة، بل هي مرشحة للمزيد من التفاعلات، التي قد تفرز ما ليس في الحسبان.

Share