التعاون في مواجهة التحديات العالمية

  • 30 مايو 2015

لم تعد التحديات التي تواجه دول العالم في الآونة الأخيرة، مقصورة على تنامي وانتشار خطر التطرف والإرهاب والصراعات الأهلية والنزاعات المسلحة في بعض المناطق، وإنما امتدت لتشمل الاضطرابات الناتجة عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة هنا وهناك، وما يرتبط بها من تزايد معدلات البطالة والفقر والهجرة غير الشرعية، التي لا يمكن تجاهل آثارها السلبية في الأمن والسلم الدوليين.

لقد سلط التقرير الأخير الذي صدر حديثاً عن "منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية"، الضوء على جانب من هذه التحديات، حيث أشار إلى تزايد الفجوة المتنامية بين الأغنياء والفقراء حول العالم، إذ إن أغنى %10 من سكان دول المنظمة، بحسب التقرير، يحصلون على أكثر من تسعة أضعاف ما يحصل عليه أفقر %10 منهم، وهو معيار شديد الوضوح على التفاوت الكبير في توزيع الدخول بين الأغنياء والفقراء في هذه الدول، الأمر الذي يترتب عليه تداعيات سلبية عليها، وعلى العالم أجمع، وخاصة أن هذه المنظمة تضم أكبر تجمع للدول الصناعية في العالم، وحجم اقتصاد دولها مجتمعة يقدر بنحو ثلثي الاقتصاد العالمي. وإذا أضيف إلى ذلك أيضاً التفاوت الكبير في توزيع الدخول في الدول الفقيرة، وما يعانيه فقراء هذه الدول جراء أزمات معيشية تدفعهم إلى الهجرة إلى الدول الغنية، يتضح مدى ما تمثله هذه المشكلة من تهديد للأمن العالمي بمفهومه الشامل.

وفي السياق ذاته أيضاً، لا يمكن إغفال ما تمثله الأوضاع المالية غير المستقرة في بعض الدول المتقدمة الآن، باعتبارها عامل تهديد آخر للاستقرار العالمي؛ فما تعيشه منطقة اليورو من مشكلات مالية على سبيل المثال، يدفع بعض الدول إلى حدود الإفلاس؛ إذ إن اقتصاداتها لم تعد قادرة على تحمل أعباء المديونية الثقيلة، كما هي الحال في اليونان، التي أعلن بعض مسؤوليها مؤخراً أنها لن تتمكن من سداد الدفعة المستحقة عليها من الديون في الخامس من شهر يونيو المقبل، والبالغة نحو 1.6 مليار يورو؛ نظراً إلى عدم توافر الأرصدة المالية الكافية في خزائنها، ولا شك في أن هذه النوعية من الأزمات تنتج عنها تداعيات سلبية عدة؛ كارتفاع معدلات البطالة، ولاسيما بين الشباب، الذين قد يقعون فريسة للجماعات المتطرفة والإرهابية، التي غالباً ما تجد بين العاطلين عن العمل مجالاً ثرياً لتفريغ أفكارها؛ وتجنيدهم للانضمام إليها وتنفيذ مخططاتها، ولعل ما تظهره البيانات المتواترة من حين إلى آخر بشأن ارتفاع عدد الشباب الأوروبيين المنتمين إلى تنظيم "داعش" هو خير دليل على ذلك. وقد عبّر المدير العام لـ"منظمة العمل الدولية" غاي رايدر في وقت سابق من الشهر الجاري، بوضوح عن مثل هذه التداعيات الخطيرة، حينما قال محذراً: "إن أكبر خطر على مجتمعاتنا يتمثل في عدم منح الشباب مستقبلاً لائقاً، وهذا يتطلب العمل على منحهم عملاً لائقـاً".

ولا شك أن التحديات التي يواجهها العالم اليوم، أصبحت من التعقيد والتشابك، بحيث لا تستطيع دولة مهما بلغت قدراتها وإمكاناتها التعامل معها بمفردها، وهنا تتضح ضرورة العمل على تعزيز التعاون الدولي لمواجهتها واحتواء تداعياتها المستقبلية، وفي الوقت ذاته البحث عن معالجات غير تقليدية للأزمات والمشكلات المعاصرة، حيث تتبنّى منظوراً شاملاً، لا يركز على نوع معين من الأزمات دون غيرها،وبحيث يتم القضاء على جذور التوترات والنزاعات والصراعات ونزعات التطرف والعنف، وهي جذور معقدة وكثيرة: سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات

التعاون في مواجهة التحديات العالمية

  • 30 مايو 2015

لم تعد التحديات التي تواجه دول العالم في الآونة الأخيرة، مقصورة على تنامي وانتشار خطر التطرف والإرهاب والصراعات الأهلية والنزاعات المسلحة في بعض المناطق، وإنما امتدت لتشمل الاضطرابات الناتجة عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة هنا وهناك، وما يرتبط بها من تزايد معدلات البطالة والفقر والهجرة غير الشرعية، التي لا يمكن تجاهل آثارها السلبية في الأمن والسلم الدوليين.

لقد سلط التقرير الأخير الذي صدر حديثاً عن "منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية"، الضوء على جانب من هذه التحديات، حيث أشار إلى تزايد الفجوة المتنامية بين الأغنياء والفقراء حول العالم، إذ إن أغنى %10 من سكان دول المنظمة، بحسب التقرير، يحصلون على أكثر من تسعة أضعاف ما يحصل عليه أفقر %10 منهم، وهو معيار شديد الوضوح على التفاوت الكبير في توزيع الدخول بين الأغنياء والفقراء في هذه الدول، الأمر الذي يترتب عليه تداعيات سلبية عليها، وعلى العالم أجمع، وخاصة أن هذه المنظمة تضم أكبر تجمع للدول الصناعية في العالم، وحجم اقتصاد دولها مجتمعة يقدر بنحو ثلثي الاقتصاد العالمي. وإذا أضيف إلى ذلك أيضاً التفاوت الكبير في توزيع الدخول في الدول الفقيرة، وما يعانيه فقراء هذه الدول جراء أزمات معيشية تدفعهم إلى الهجرة إلى الدول الغنية، يتضح مدى ما تمثله هذه المشكلة من تهديد للأمن العالمي بمفهومه الشامل.

وفي السياق ذاته أيضاً، لا يمكن إغفال ما تمثله الأوضاع المالية غير المستقرة في بعض الدول المتقدمة الآن، باعتبارها عامل تهديد آخر للاستقرار العالمي؛ فما تعيشه منطقة اليورو من مشكلات مالية على سبيل المثال، يدفع بعض الدول إلى حدود الإفلاس؛ إذ إن اقتصاداتها لم تعد قادرة على تحمل أعباء المديونية الثقيلة، كما هي الحال في اليونان، التي أعلن بعض مسؤوليها مؤخراً أنها لن تتمكن من سداد الدفعة المستحقة عليها من الديون في الخامس من شهر يونيو المقبل، والبالغة نحو 1.6 مليار يورو؛ نظراً إلى عدم توافر الأرصدة المالية الكافية في خزائنها، ولا شك في أن هذه النوعية من الأزمات تنتج عنها تداعيات سلبية عدة؛ كارتفاع معدلات البطالة، ولاسيما بين الشباب، الذين قد يقعون فريسة للجماعات المتطرفة والإرهابية، التي غالباً ما تجد بين العاطلين عن العمل مجالاً ثرياً لتفريغ أفكارها؛ وتجنيدهم للانضمام إليها وتنفيذ مخططاتها، ولعل ما تظهره البيانات المتواترة من حين إلى آخر بشأن ارتفاع عدد الشباب الأوروبيين المنتمين إلى تنظيم "داعش" هو خير دليل على ذلك. وقد عبّر المدير العام لـ"منظمة العمل الدولية" غاي رايدر في وقت سابق من الشهر الجاري، بوضوح عن مثل هذه التداعيات الخطيرة، حينما قال محذراً: "إن أكبر خطر على مجتمعاتنا يتمثل في عدم منح الشباب مستقبلاً لائقاً، وهذا يتطلب العمل على منحهم عملاً لائقـاً".

ولا شك أن التحديات التي يواجهها العالم اليوم، أصبحت من التعقيد والتشابك، بحيث لا تستطيع دولة مهما بلغت قدراتها وإمكاناتها التعامل معها بمفردها، وهنا تتضح ضرورة العمل على تعزيز التعاون الدولي لمواجهتها واحتواء تداعياتها المستقبلية، وفي الوقت ذاته البحث عن معالجات غير تقليدية للأزمات والمشكلات المعاصرة، حيث تتبنّى منظوراً شاملاً، لا يركز على نوع معين من الأزمات دون غيرها،وبحيث يتم القضاء على جذور التوترات والنزاعات والصراعات ونزعات التطرف والعنف، وهي جذور معقدة وكثيرة: سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات