التعاون في‮ ‬مواجهة الأزمات العالمية

  • 20 يونيو 2012

جاءت “الأزمة المالية العالمية” لتؤكد من جديد أننا نعيش في عالم واحد متقارب الأبعاد، وأن العالم أصبح بحقّ قرية صغيرة مترابطة الأواصر، فبمجرد انطلاق شرارتها بتعثّر قطاع الرهن العقاري ومن ثم القطاع المالي الأمريكي في عام 2008، فقد انتقلت الأزمة عبر مياه الأطلسي لتضرب القطاعين العقاري والمالي الأوروبيين، وانتشرت عبر الحدود الدولية لتعمّ أقاليم العالم أجمع، فوجد العالم نفسه أمام أزمة مالية عالمية واسعة النطاق، أصابت الاقتصاد العالمي بحالة من الاضطراب لم تنجُ من آثارها أيّ دولة من دول العالم، وأعادت إلى الأذهان ذكرى أزمة “الكساد الكبير”، التي ضربت الاقتصاد العالمي في نهايات عشرينيات القرن العشرين وبدايات ثلاثينياته.

إن سرعة انتشار تداعيات “الأزمة المالية العالمية” وانتقالها من دولة إلى أخرى حدثت على هذا النحو جراء حالتي الترابط والاندماج الشديدتين اللتين يعيشهما الاقتصاد العالمي، واللتين ساعدتا الأزمة على الانتشار في جوانب الاقتصاد العالمي كما تنتشر النار في الهشيم، حتى لم تعد أي دولة في مأمن من أن يطولها اللهيب، وهو ما أوجد حالة من الاتفاق العالمي على ضرورة العمل الجماعي والتنسيق بين الدول لمحاصرة تداعيات الأزمة قبل أن تزداد انتشاراً وتعمّقاً وتجذراً، وأصبح واضحاً أن مفتاح الخروج من الأزمة لا تمتلكه دولة واحدة أو حتى مجموعة دول بمفردها، بل إن هذا المفتاح إذا امتلكت الدول المتقدمة التكنولوجيا الخاصة بتصنيعه، فإن الدول النامية والدول الصاعدة هي التي تمتلك الخامات اللازمة لذلك، وإن القدرة على استخدامه تحتاج إلى وقوف الدول المتقدّمة بجوار الدول الصاعدة والنامية في صفّ واحد يداً بيد لتوحيد القوى لاستخدام ذلك المفتاح لفتح بوابة الخروج من الأزمة.

وزادت أزمة المديونية الحكومية التي اجتاحت “منطقة اليورو” خلال الفترات الماضية من هذا الفهم، وأكدت من جديد أن الأزمات التي تضرب دولة ما أو إقليماً جغرافياً ولو كان نائياً، من الخطأ تماماً أن يتمّ اعتبارها أزمة محلية. ولعل الموافقة على زيادة رأس مال “صندوق النقد الدولي” من قِبَل الدول النامية والصاعدة إلى جانب الولايات المتحدة واليابان، وهي الدول غير المتضررة بشكل مباشر من أزمة “منطقة اليورو”، في إشارة واضحة إلى استعدادها لوضع يدها في يد هذه الأخيرة لمساعدتها على الخروج من أزمتها، تعبّر عن مدى الوعي العالمي بهذه الحقيقة، التي لم تعد غائبة بالفعل عن أحد.

إن الاهتمام العالمي الذي سبق الانتخابات البرلمانية اليونانية، وما يترتب عليها من تغييرات في تشكيل الحكومة هناك، وكذلك الاهتمام الكبير بتولي الرئيس الفرنسي الجديد، فرانسوا هولاند، لمنصبه كونه صاحب رؤية مغايرة للنهج الذي اتبعته بلاده في معالجة الأزمة المالية منذ بدايتها، وكذلك التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، عندما قال إنه “يجب ألا ينظر إلى اليورو باعتباره مجرّد عملة”، في إشارة منه إلى أن اليورو يعدّ مكوّناً أصيلاً من مكوّنات الاقتصاد العالمي برمّته، معطيات تعكس في مجملها استشعاراً عالمياً لعمق تفاعلات الأزمات المالية، وتؤكد ضرورة أن يكون التعاون هو سمة العمل الدولي من أجل محاصرة أزمة “منطقة اليورو”، للحيلولة دون تحوّلها إلى موجة جديدة من الأزمة المالية العالمية تعرّض الاقتصاد العالمي لانتكاسة أشد وطأةً وأثراً.

Share