التعاون البحري بين الصين والهند في المحيط الهندي وانعكاساته على مجلس التعاون لدول الخليج العربية

تلميذ أحمد: التعاون البحري بين الصين والهند في المحيط الهندي وانعكاساته على دول الخليج العربية

  • 3 مارس 2013

المحيط الهندي هو الأصغر من حيث المساحة بين محيطات العالم، لكن أهميته الاستراتيجية والاقتصادية هي الأكبر. وتغطي مياهه 70 مليون كيلومتر مربع؛ أي نحو 20% من المياه على سطح الأرض. وتضم منطقة المحيط الهندي الواسعة ثلث سكان العالم، وربع مساحة اليابسة على سطح الأرض، وثلاثة أرباع الاحتياطي العالمي من النفط والحديد والقصدير. وتمتلك 10 دول فقط من منطقة المحيط الهندي الساحلية نحو 65% من احتياطي النفط في العالم.

وتمر عبر المحيط الهندي كل عام أكثر من 70 ألف سفينة، تشكل مساراتها خطوط المواصلات البحرية (SLOC) الأكثر أهمية في العالم. وهذه الخطوط تمر عموماً على مقربة من اليابسة، وتتخللها بعض أهم الممرات المائية الضيقة، مثل مضيق "هرمز" و"باب المندب" في الغرب، ومضيق ملقا في الشرق. وتمر عبر هذه المضائق أهم ناقلات النفط في العالم محملة بالموارد الهيدروكربونية من الخليج إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية في جميع أنحاء آسيا، كما يمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية.

وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، منذ أن بدأ ميزان القوة الاقتصادية العالمية يميل إلى مصلحة آسيا الصاعدة، لم يكن من المستغرب أن تسعى البلدان الآسيوية الكبرى إلى تطوير قدراتها العسكرية البحرية لضمان حماية مصالحها. وقد لاحظ المراقبون أن مصالح الهند والصين قد توسعت تدريجياً من المناطق ذات الأهمية المباشرة بالنسبة إلى هاتين الدولتين، أي غرب المحيط الهادي في حالة الصين والمحيط الهندي في حالة الهند، لتشمل المناطق الإقليمية الأبعد. وتسعى الصين الآن إلى تحقيق وجود بحري في المحيط الهندي، في حين أن الهند أبدت اهتمامها الشديد بأمن مضيق ملقا وبمصالحها الطاقوية في المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. ومن الواضح أن الميادين الاستراتيجية التي تحظى بالاهتمام من كلا البلدين تتداخل على نحو متزايد: وكما أشار روبرت كابلان، فإن "إلغاء المسافات" والتداخل المتزايد للمصالح هما نتيجة لتقدم التكنولوجيا العسكرية على مدى السنوات القليلة الماضية.

وترتبط مصالح البلدين في المحيط الهندي في المقام الأول بعلاقاتهما مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. فكل منهما يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته من الطاقة من دول المجلس. وبالتالي، فإن مصالحهما في أمن الطاقة تعطي لكليهما مصلحة مباشرة في أمن منطقة الخليج واستقرارها وفي الحركة البحرية من دون عوائق عبر المضائق وخطوط المواصلات البحرية.

ومع ذلك، فإن البلدين لديهما أيضاً مصالح أخرى غير الطاقة. فقد أصبحت دول الخليج العربي شركاء تجاريين رئيسيين لكل من الصين والهند. وبالنسبة إلى الهند، تعد دول الخليج العربي الشريك التجاري الأول، حيث تبلغ قيمة التجارة البينية (بما في ذلك النفط) أكثر من 150 مليار دولار سنوياً. وإلى جانب التجارة، تنفذ الصين مشروعات في دول الخليج العربي تبلغ قيمتها أكثر من 10 مليارات دولار، في حين أن الهند لديها جالية من مواطنيها في المنطقة يبلغ تعدادها أكثر من 6.5 مليون نسمة، تقدر قيمة تحويلاتهم المالية إلى الهند بنحو 30-35 مليار دولار سنوياً. وبالنسبة إلى كلا البلدين، فإن دول الخليج العربي تعتبر أيضاً شريكاً مهماً في الاستثمارات والمشروعات المشتركة.

قبل بضع سنوات، كانت هناك إشارات إلى أن الصين تنتهج استراتيجية تجميع "سلسلة من اللآلئ" في المحيط الهندي من خلال إقامة سلسلة من التسهيلات عبر المنافذ الساحلية الرئيسية لحماية مصالحها. ويُنظر الآن إلى هذه الادّعاءات على أنها مبالَغ فيها وأنها تثير مخاوف لا داعي لها وليس لها أساس في الواقع، إذ إن الصين لم تكتسب القدرة على إبراز قوة عسكرية قادرة على الوصول إلى المحيط الهندي. ولكن، في ضوء العلاقات المهمة بين الصين ودول الخليج، فإنها مثل الهند، لديها مصلحة مشروعة في أمن منطقة المحيط الهندي الأوسع، مثلما للهند مصالح مشروعة في مضيق ملقا وخارجه.

بيد أن هذه المصالح المشتركة يجب ألا تؤدي بالضرورة إلى الصراع أو التنافس. في الواقع، ونظراً إلى المصالح بالغة الأهمية لكل من الهند والصين في أمن الخليج، فإن هناك ما يدعو إلى التفكير في سيناريو بديل يقوم على التعاون، وهذا السيناريو لن يكون في مصلحة البلدين الآسيويين الرئيسيين وحسب، وإنما في مصلحة دول الخليج العربي أيضاً.

إن أمن الطاقة وأمن الملاحة العالمية لهما أبعاد عابرة للحدود الوطنية ويتطلبان ترتيبات تعاونية بطبيعتها عبر الحدود الوطنية. وبالتالي، فإن أمن الطاقة يتطلب جهوداً عالمية لضمان الأمن الفعلي لمراكز الإنتاج، والمنشآت الساحلية، والممرات البحرية، والمنشآت في مراكز الاستقبال وخطوط الأنابيب ومصافي التكرير ومحطات الطاقة وخطوط النقل،.. إلخ. وفي الوقت نفسه، فإن عملية الشحن تعتبر متعددة الأطراف هي الأخرى، إذ إن دولاً مختلفة تبني السفن وتمتلكها وتؤمن عليها وتسجلها وتزودها بالطواقم.

وبالنظر إلى أن دول الخليج العربي هي في قلب تجارة الطاقة والشحن العالمية، فإن لديها مصلحة مباشرة في علاقة تعاون لا صراع بين الصين والهند. وخلال ندوة المحيط الهندي حول القطاع البحري التي انعقدت في أبوظبي في شهر مايو 2010، قال قائد القوات البحرية الإماراتية إن الحماية التجارية، والقانون والنظام، والاستقرار الإقليمي، وآثار تغير المناخ أصبحت الآن قضايا الأمن الجماعي الرئيسية للمنطقة. وأكد أن هذه التحديات ينبغي أن تعزز الجهود التعاونية بين الدول المعنية.

ومن الواضح أن الدور الصيني – الهندي المشترك، بالتعاون مع دول الخليج العربية، سيكون حاسماً في أي مساعٍ في هذا الاتجاه. فمجالات اهتمامها تشمل الجهود المشتركة في الجوانب الأمنية غير العسكرية مثل: مكافحة القرصنة؛ ومكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات والأسلحة، وعمليات البحث والإنقاذ، والإغاثة في حالات الكوارث، وحماية البيئة، وسلامة المنشآت والأصول البحرية والمساعدة الإنسانية بشكل عام والمبادرات في مجالات، مثل تطوير تكنولوجيات لمكافحة التلوث، والتعدين في قاع البحار وتحسين الاتصالات.

وهناك بعد آخر لأجندة التعاون له أهمية تزداد إلحاحاً. وهو تطور الروابط بين القرصنة والإرهاب والاتجار بالمخدرات والأسلحة الصغيرة. فالهجوم على مومباي عام 2008 والتغلغل المتواصل لعناصر تابعة لـ "القاعدة" إلى اليمن من خلال سواحلها التي يسهل اختراقها، أبرز أهمية التعاون الأمني البحري لمكافحة هذه الآفة. كما أن هؤلاء المتطرفين قد أسسوا روابط مع القراصنة، وهناك تقارير تفيد بأن "حركة الشباب" التابعة لتنظيم "القاعدة" في الصومال، تحصل على إيرادات تصل إلى 20%-25% من القراصنة الصوماليين مقابل منحهم مطلق الحرية في عملياتهم. كما يتم أيضاً تمويل الأنشطة الإرهابية من خلال تجارة المخدرات في المنطقة التي تستخدم المحيط الهندي للوصول إلى الأسواق المربحة في آسيا وخارجها، وللحصول على أسلحة من الأسواق غير المشروعة.

إن التعاون البحري بين الصين والهند يلقى اهتماماً متزايداً في الحوار بين الطرفين. ففي مارس 2012، ناقش البلدان التعاون البحري، على الصعيد الثنائي وفي قمة دول "البريكس" في نيودلهي. في ذلك الوقت، تعهدت الدولتان بالقيام بعمليات مشتركة ضد القرصنة والعمل معاً لتطوير تكنولوجيا لإجراء الأبحاث حول قاع البحر. وفي شهر سبتمبر 2012، وافق وزيرا الدفاع في البلدين على استئناف التدريبات العسكرية الثنائية، وتدريب أفراد قواتهما المسلحة في مرافق بعضهما بعضاً، والتعاون الأمني البحري بين الجانبين.  

وهذه ليست سوى خطوات أولى مترددة نحو حوار أوسع في مجال الأمن البحري الإقليمي. وكان مستشار الأمن القومي الهندي قد اقترح في سبتمبر 2009، عقد "اتفاقيات بحرية" بين القوى الكبرى في المحيط الهندي من أجل تحمل المسؤولية الجماعية لحماية المحيطات من التهديدات الأمنية غير التقليدية. وكانت إحدى النتائج الملموسة لهذا الاقتراح الخروج بآلية الإدراك المشترك وتوحيد الجهود لمكافحة القرصنة البحرية (Shared Awareness and Deconflication – (SHADE)) التي تجمع بين الصين واليابان والهند في دوريات مشتركة لمكافحة القرصنة في المحيط الهندي.

والآن بما أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تسعى إلى تنويع ارتباطاتها الاقتصادية والسياسية من خلال سياسات "التوجه شرقاً" الفاعلة، وبما أن كلاً من الهند والصين لديها اتفاقات "شراكة استراتيجية" دفاعية وأمنية مهمة مع معظم أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن هذا هو الوقت المناسب للبدء بحوار إقليمي حول القضايا البحرية وتأسيس مراكز عملياتية. وتتمثل الخطوة الأولى في هذا الاتجاه بتوسيع الاهتمام بالمحيط الهندي فيما يخص القطاع البحري ليشمل بلداناً آسيوية أخرى مثل الصين وكوريا الجنوبية واليابان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات