التطورات الجديدة في غزة والموقف الإسرائيلي

إبراهيم عبدالكريم: التطورات الجديدة في غزة والموقف الإسرائيلي

  • 12 أغسطس 2008

تتكاثر التبريرات والاتهامات المتبادلة، خلال كل مواجهة داخلية تندلع على الساحة الفلسطينية. وأصبح من التقاليد الدارجة أن يحاول كل طرف حشد الحجج والإثباتات التي يرى أنها تعطيه تفوقاً في مواجهة الخصم. ولا تعدّ أحداث حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وتطوراتها المختلفة، استثناءً لهذه التقاليد.

ويبيّن تتبع السياق الذي اندلعت فيه المشكلة الجديدة، أنها تأخذ طابعاً تختلط فيه الدوافع والتوجهات، على نحو يجري فيه اشتقاق النزاع الداخلي، وتوليد المزيد من مسببات تأجيج الفتنة، وما يترتب على ذلك من تعميق الانقسام، وزيادة العقبات أمام الحوار الوطني الرامي للخروج من المأزق الفلسطيني الراهن.

حدثياً، ارتبطت بداية المشكلة الجديدة بالانفجار على شاطئ غزة يوم 25 يوليو/تموز الماضي (2008)، والذي أسفر عن استشهاد خمسة عناصر من كتائب القسام وطفلة. وبعد ذلك، أخذت التطورات منحى تصاعدياً ملحوظاً؛ حيث أعلن مسؤولون في حركة حماس أن العبوة الناسفة التي استخدمت في التفجير مصدرها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأن العملية تهدف إلى زعزعة الاستقرار في قطاع غزة. واتهمت الحركة في بيان لها من أسمتهم "عناصر من فلول التيار العميل"، في إشارة منها إلى بعض عناصر حركة فتح، بتنفيذ العملية. وأعادت الحركة إلى الأذهان مخططاً إسرائيلياً، كُشف النقاب عنه قبل نحو عام، يهدف إلى الإطاحة بحكومة حماس عن طريق عمليات تفجير يقوم بها العملاء.

ومما يذكر أن علاقات القوى بين فتح وحماس اتخذت مساراً واضحاً منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف يونيو/حزيران 2007، يتلخص بتكريس هذه السيطرة، وجعلها المرجعية لجميع صيغ العمل على مستويي الفصائل والسكان. ويومها ظهر تمايز بين تيارين مركزين في فتح؛ أحدهما يتزعمه محمد دحلان، وقد تمكنت حماس من دحره، والآخر، يقوده أحمد حلّس (يتمركز في حي الشجاعية)، وسمحت له حماس بمواصلة عمله، وجرى التنسيق معه في موضوعات أمنية وسياسية وعملية، لكون أحمد حلّس أمين سر حركة فتح في قطاع غزة. 

وعلى خلفية المعلومات التي جمعتها حماس حول تفجير الشاطئ (بصرف النظر عن مدى صدقيتها)، وبالتزامن مع تبني جماعة تعرف باسم "كتائب العودة" لهذا التفجير، وإعلانها أنها مؤيدة لحركة فتح، قامت الأجهزة الأمنية التابعة للحكومة المقالة بحملة تمّ فيها "تفكيك المربع الأمني" في الشجاعية، الذي تقطنه عائلة حلّس، وجرى اعتقال العشرات، بينهم أربعة مطلوبين في تفجيرات غزة. وهرب عدد كبير(188 شخصاً)، وقاموا بتسليم أنفسهم لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، عند معبر "ناحل عوز"، ولم يستجيبوا لدعوة  حماس بالعودة وتعهدها بمعاملتهم معاملة حسنة، وإطلاق سراح كل من لم يثبت تورطه في أحداث مخلة بالأمن. وتذكر تقارير حماس أنه تم العثور في المكان على أسلحة متنوعة، بينها أسلحة ثقيلة ومخازن للسلاح ومصانع للمتفجرات ومواد استخدمت في التفجيرات في غزة.

 وفي المقابل، وجدت قيادات السلطة وفتح نفسها في موقع الدفاع عن النفس ورد الاتهامات، فدعا رئيس السلطة محمود عباس لقيام لجنة مستقلة من الشخصيات الفلسطينية ونشطاء حقوق الإنسان بالتحقيق في الانفجار. ثم صدر عن مكتب عباس بيان يؤكد أن المزاعم الخاصة بمسؤولية حركة فتح عن تنفيذ هذه التفجيرات تهدف إلى التغطية على وجود خلافات داخل حماس. ورأى أحمد حلّس، الذي طالت المداهمات عائلته، أن حركة حماس تريد تصدير أزمتها الداخلية تجاه الشعب الفلسطيني؛ لأنها غير قادرة على مواجهة الحقيقة، وأن التفجيرات المدانة التي حدثت في غزة هي في إطار تصفية حسابات داخل الحركة. وردّت حماس مجدداً بأن "المداهمات لم تستهدف عائلة حلّس، فهي عائلة لها مكانتها وتاريخها، وإنما استهدفت بعض الخارجين عن القانون الذين استخدموا العائلة ستاراً لتنفيذ أعمالهم الإجرامية، وإيواء الفارين من العدالة في هذا المربع الأمني".

وفي خطوة أخرى لم يكن لها صدى ظاهر، عرضت حركة فتح على حركة حماس خيارين اثنين لتهدئة الوضع المتفجر في غزة، كمقدمة على طريق إطلاق الحوار، وإنهاء حالة الانقسام، هما؛ الوقف الفوري لكل الأحداث في قطاع غزة، والإفراج عن المختطفين، وإلا فإن البديل هو القصاص من خلال حظر نشاطات حماس في الحياة السياسية الفلسطينية.

وفيما كان السجال يستعر بين حماس وفتح، برز جزء آخر للمشكلة، يتعلق بالموقف الإسرائيلي. ومن حيث الشكل والسلوك الإجرائي، تصدرت التقارير صور تبعث على الأسى والمرارة لأفراد بلباس داخلي واحد فقط يستر عورتهم، يتعرضون لتفتيش مهين من قبل الجنود الإسرائيليين، بذريعة التحسب لمحاولة حماس دس انتحاريين بين هؤلاء الفارين.

وراحت السلطات الإسرائيلية تبحث المسألة مع السلطة الفلسطينية. ولوحظ أن الموقف الإسرائيلي انطوى على ثلاثة توجهات؛ الأول: السماح لبعض الفارين بدخول النطاق الإسرائيلي في إطار إظهار "تقديم المساعدة الإنسانية لناجين من مذبحة يرتكبها أشقاؤهم الفلسطينيون"، والتعاون مع الفلسطينيين الذين يحاربون الإسلام المتشدد ويرفضون "الإرهاب" ويدعمون المفاوضات. والثاني؛ إعادة العشرات ممن اتضح خلال التحقيق معهم من قبل "الشاباك" بأنهم عملوا في الماضي ضد إسرائيل، والثالث؛ التريث في قبول الكثيرين وفحص حالاتهم أمنياً، خشية نقل المعلومات والخبرة في تصنيع المتفجرات والصواريخ من قطاع غزة إلى الضفة الغربية. وفي النهاية استجابت الحكومة الإسرائيلية لطلب السلطة الفلسطينية بالسماح لمعظم الفارين بالوصول إلى الضفة الغربية، استناداً إلى تفاهمات وترتيبات تلبي المعايير والشروط الإسرائيلية.

عند هذه النقطة تتجلى معالم المشهد، الذي يتكامل فيه الحدث الراهن مع سوابقه، ومع المتغيرات على صعيد العلاقة مع إسرائيل. ويتفق الجميع على أن المأزق الاستراتيجي للحالة الفلسطينية يعبّر عن ذاته في غياب التوفيق بين المشروعين المتنازعين لفتح وحماس. ومن المعروف أنه في نطاق هذه الحالة، انتقل مركز الثقل الأمني والسياسي في قطاع غزة من فتح إلى حماس، التي عنيت بالحصول على الاعتراف بمكانتها الجديدة، وانطلقت في حملة متعددة الاتجاهات لهذا الغرض، كان من ضمنها المواجهة مع الفصائل الأخرى، والتصدي لدخول تنظيم "القاعدة" إلى القطاع..إلخ.

ولدى تناول التطورات الجارية من منظور شامل، سرعان ما تتضح حقيقة أن حماس أصبحت القوة الأولى المقررة في قطاع غزة، وخاصة بعد التوصل إلى تهدئة (هدنة لمدة ستة أشهر) مع إسرائيل، وإحكام سيطرتها على جميع المناطق والفعاليات في القطاع، مقابل انكشاف حركة فتح كقوة ثانوية هناك، بالمعايير العسكرية والعملية المرئية. والمغزى الكامن وراء هذا الواقع، يتلخص بأنه من المستبعد في المدى المنظور عودة الأوضاع إلى مرحلة حكومة الوحدة الوطنية، وأن هناك احتمالاً كبيراً بأن تنجح حماس في شطب حركة فتح من قطاع غزة، وتصفية قوى أخرى معارضة، بل حتى ربما تتمكن من تحجيم فعالية السلطة الفلسطينية وفتح في الضفة الغربية.

وإزاء التعاظم المتواصل لحركة حماس، يظل الخيار الإسرائيلي بالعمل العسكري ضدها نهجاً معتمداً، على الأقل بعد انقضاء فترة التهدئة الحالية. ومن آخر التأكيدات الإسرائيلية على ذلك، تصريح وزير الدفاع إيهود باراك في اجتماع لحزب العمل بأن" التهدئة القائمة في قطاع غزة هي مسألة مؤقتة، وأنه لا بد من عملية عسكرية لأن حماس في قطاع غزة تعدّ أحد التحديات التي تواجه إسرائيل".

حيال تفكير كهذا، من المسلم به أن حالة الانقسام الفلسطينية الراهنة ستكون العامل الأول في توفير الظروف المناسبة لتحقيق المخططات الإسرائيلية. والمفارقة أن الطرفين المسؤولين عن هذه الحالة يدركان مخاطر ذلك، ولكنهما يتصرفان وكأنهما خصمان أبديان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات