التصورات الخاطئة للحراك الجنوبي في اليمن

التصورات الخاطئة للحراك الجنوبي في اليمن

  • 11 مايو 2009

تحُل الذكرى التاسعة عشرة للوحدة اليمنية، في الثاني والعشرين من مايو (2009)، وهي تختبر امتحاناً عسيراً نابعاً من الجنوب مرة أخرى، دفعت عسرته بالرئيس علي عبدالله صالح إلى التصريح بأن الحوادث في المحافظات الجنوبية والشرقية تُذكِر بأزمة العام 1993، والتي أفضت إلى الحرب الأهلية في صيف العام التالي. ومن نافلة القول أن الوحدة اليمنية، التي تحققت طواعيةً باتفاق سياسي بين شطري اليمن في منتصف العام 1990، تُعد من أنجح التجارب الوحدوية العربية في التاريخ الحديث، ولا بد أن يعض عليها اليمنيون وسائر العرب بالنواجذ. غير أن المتأمل للخطاب السياسي لقادة اليمن وتصريحات زعماء الحراك الجنوبي وسلوكياتهم تجاه ما بات يُعرف بـ "القضية الجنوبية" يُلاحظ شيوع عددٍ من التصورات الخاطئة، والتي من الضروري توضيح أبعادها وتحريرها، إذا كنا حريصين على هذه التجربة الوحدوية الوحيدة في عالمنا العربي.

ولعل أول هذه التصورات الخاطئة هو تصور "ما أشبه الليلة بالبارحة"، والذي يُفهم من التصريح الذي ذكرناه للرئيس اليمني؛ فالحراك الجنوبي، والذي يرمز لحركة الاحتجاجات والاعتصامات الشعبية في المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن، لا يشبه بصفة عامة أزمة العام 1993، سواء من حيث الظروف المحيطة، أو من حيث مطالب الجنوبيين ونمط سلوكهم. فأزمة عام 1993 كانت صراعاً سياسياً، تطور إلى عنف مسلح، على السلطة بين شريكي الوحدة (الحزب الاشتراكي وحزب المؤتمر الشعبي)، ولكلٍ منهما قيادة معروفة وقوات مسلحة مساندة. أما الحراك الجنوبي، فهو سلمي الطابع في معظمه حتى الآن، ويتكون من خليط غير متناسق أيديولوجياً ومرن تنظيمياً، وليست له قيادة سياسية واضحة حتى الآن، ولا يملك ذراعاً عسكرية، ويضم أشتاتاً من العسكريين المسرحين بعد حرب 1994، وبعض أعضاء وقيادات الحزب الاشتراكي، وكثير من العاطلين عن العمل، لا يجمعهم سوى السخط على الحكومة اليمنية بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والتنموية عامةً في المحافظات والمديريات التي كانت تشكل اليمن الجنوبي سابقاً.

كما أن تشبيه ما يحدث الآن في الجنوب بأزمة العام 1993 يتناقض مع تعمد قادة اليمن، وعلى رأسهم الرئيس علي صالح ونائبه عبد ربه منصور هادي، التقليل من شأن الحراك الجنوبي وتأثيره؛ فـ"الأمر لا يقلقنا"، والأمن مستتب. والحقيقة أن التقليل من شأن حركة الاحتجاج الشعبي في الجنوب مفارق للواقع؛ فقد شهد الأسبوع الماضي مصادمات بين قوات الشرطة والجيش والمحتجين في مناطق عدة جنوب اليمن، لم تنفضّ إلا بعد وساطة بين الطرفين، على أساس إزالة الحواجز التي أقامتها القوات النظامية في الشوارع، مقابل أن تسكن الاحتجاجات وأن يفتح الزعماء الجنوبيون الطريق الذي يربط العاصمة بعدن كبرى مدن الجنوب.

ومن أبعاد الخطاب السياسي اليمني الرسمي يمكن رصد تشويه المعارضين، وملاحظة التناول السطحي والدعائي الموجه لأزمة حقيقية، يمكن أن تهدد بانفصام عرى الوحدة. وفقاً للخطاب الرسمي، فإن زعماء الحراك الجنوبي ليسوا إلا مجموعة من المخربين، يستهدفون تقويض الوحدة. ويتضح التناول السطحي للأزمة من عدم تجاسر الحكومة اليمنية إلى الآن بالبحث عن أسبابها وعواملها الحقيقية. فعلى أقصى تقدير، يتم تصوير الأزمة على أنها قضية مطلبية معيشية. ولو كان الأمر كذلك، لكان من السهل حلها. بيد أن استقراء القضية الجنوبية يفضي إلى أن العوامل الحقيقية للحراك الجنوبي تتمثل في عدم إيجاد حلول ملائمة لقضية العسكريين المسرحين، الذين فصلوا من الخدمة في أعقاب الحرب الأهلية، والتمييز الذي يشعر به الجنوبيون ضدهم في تولي الوظائف العامة، وتفاقم المشكلات الاقتصادية في المحافظات الجنوبية، التي زادتها الأزمة المالية العالمية والانخفاض الكبير لأسعار النفط، لدرجة شعور المواطنين هناك بالحرمان النسبي، والفساد السياسي المستشري في جنوب اليمن بصفة خاصة، والاستخفاف بالاتفاقات المنشئة للوحدة (كما أكد عبدالله الأحمر، رئيس مجلس النواب السابق والرئيس المؤسس للتجمع اليمني للإصلاح، في مذكراته المنشورة عام 2007). ويبدو أن "انتصار الوحدة" عام 1994 لم يكن حافزاً كافياً للحكومة اليمنية للتعاطي مع العوامل الحقيقية التي أدت إلى اندلاع الأزمة والحرب، بل إن السلوك اللاحق لهذه الحكومة أسهم في تفاقم هذه العوامل. ويتضح التناول الدعائي الموجه للأزمة من اللجان والمؤتمرات الشعبية الكثيرة والمتوالية التي يُعلن عن التئامها في المحافظات والمديريات الجنوبية، والتي تخلص، بطبيعة الحال، إلى تأييد القيادة السياسية الرشيدة، ومباركة أسلوب انخراطها في الجنوب، والتشديد على منطق "إنهم لشرذمة قليلون"…إلخ.

وعلى الرغم من أن نظرية المؤامرة أثيرة لدى كثيرٍ من القادة العرب، فإن ما يثير الانتباه في الخطاب اليمني الرسمي هو عدم استقراره على التفسير التآمري لأزمة الجنوب. فالرئيس اليمني تارةً يرجع الأزمة إلى دور لقوى خارجية، سواء كانت دولة أو لادولة، وتارةً أخرى ينفي أي تدخلٍ خارجي في الاحتجاج الجنوبي، وتارةً ثالثةً يثبت العكس؛ بمعنى أن الدول الشقيقة، ولاسيما دول الخليج العربية، والصديقة، ويقصد الولايات المتحدة وأوروبا، تؤيد الوحدة اليمنية. لكن بعض المسؤولين، وعلى رأسهم وزير الخارجية، ما انفكوا يعزفون المقطوعة التآمرية.

وإذا انتقلنا إلى خطاب زعماء الحراك الجنوبي وتحركاتهم، فسنلمس تصورات عدة خاطئة أيضاً، أولها الادعاء بأن تجربة الوحدة هي المسؤولة عن تردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية بالجنوب. ونظرة واحدة مقارنة للوضع، قبل الوحدة وبعدها، يثبت مدى زيف هذا الادعاء وخطره. ويزعم قادة الجنوب أن الأوضاع المتردية والمأزومة قاصرة عليهم. وعلى الرغم من أن المشكلات في الجنوب حقيقية، وتتفاوت في حدتها من محافظة إلى أخرى، لكنها جزء من أزمة سياسية واقتصادية متعددة الأبعاد يشهدها اليمن في السنوات الأخيرة. ويتصور بعض زعماء الجنوب أن التحول من الطبيعة السلمية إلى الكفاح المسلح قد يسرّع بتحقيق مطالبهم. وهذا وهم؛ لأن ميزان القوة العسكرية ليس في صالحهم على الإطلاق، وسوف يدفع هذا الحكومة إلى اتخاذ قرار بالحسم العسكري، على شاكلة ما حدث في العام 1994. وأيا كانت النتيجة، سوف يكون الجنوبيون أول الخاسرين من حرب أهلية، مرشحة أن يطول أمدها هذه المرة، كما يقدر الخبراء.

كما أن التحول من الطابع السياسي إلى الطابع العسكري-القبلي، بعد انضمام شيوخ بعض القبائل إلى قيادات الحراك المتعددة، وأغلبهم عسكريون متقاعدون، لا يخدم القضية الجنوبية، والتي بدت في بعض تجلياتها احتجاجاً ضد السلطة اليمنية المكونة من تحالف العسكريين وشيوخ القبائل، وانتصاراً لمشروع دولة مدني يستند إلى النظام والقانون. والأهم من ذلك، يلاحظ عدم وضوح مطالب الجنوبيين في الآونة الأخيرة، وإبهام بعضها، من مثل عدم وضوح الفارق بين الاستقلال والانفصال. صحيح أن نفراً من زعماء الجنوب يطالبون الآن بالانفصال، وإعادة تشكيل دولتهم المستقلة، إلا أن رفع مطلب الاستقلال عن "الاحتلال الشمالي"، والتأكيد في الوقت نفسه على عدم الرغبة في الانفصال ليس مفهوماً.

ومع ذلك، ثمة ظواهر إيجابية، برزت مؤخراً، يمكن تلمسها في الخطاب السياسي الرسمي وخطاب قادة الحراك الجنوبي. فقد أدرك الرئيس اليمني بآخرة ـ وإن كان بعد استفحال الاحتجاجات الجنوبية (مر عليها أكثر من عامين صعودا وهبوطا)، وظهور إرهاصات وتهديدات بتحولها من الطابع السلمي إلى الكفاح المسلح، وتبني قادتها مطالب انفصالية أو استقلالية ـ أن الأمر جدٌ لا هزل فيه، واعترف بارتكاب أخطاء بحق الجنوبيين منذ نهاية الحرب الأهلية في 1994، وقرر التعامل الجدي معها. في هذا السياق، جاءت دعوة الرئيس قادة تكتل المعارضة الرئيسي (أحزاب اللقاء المشترك) وزعماء الحراك الجنوبي، رغم إصراره على وصفهم بالمخربين، إلى الحوار والمشاركة في السلطة. وهذه المبادرة، إذا تم تفعيلها بجدية، من شأنها أن تسوي القضية الجنوبية، وتحفظ الوحدة اليمنية من الزحف نحو المجهول؛ حيث يتقاتل الأشقاء من طاقة إلى طاقة أو من بيت إلى بيت، بحسب الرئيس صالح نفسه. ومن المستحسن أن يركز الزعماء الجنوبيون الآن على قضية المشاركة في السلطة التي عرضها الرئيس، ولاسيما أن التوجه العام للحراك والجنوبيين بصفة عامة يتمسك بأهداب الوحدة، التي كان الشعب الجنوبي تواقاً إليها بالقدر نفسه الذي كان عليه الشعب في الشمال.

قد يكون من المفيد في ظل دعوة الرئيس اليمني إلى الحوار عرض مقترحين لعلهما يفيدان في تسوية المسألة الجنوبية، وهما: المشاركة في السيادة، والاستقلال في إطار اليمن الموحد. بدايةً، فإن إعمال فكرة "المشاركة في السيادة" لا يتطلب بالضرورة نظاماً فيدرالياً بقدر ما يتطلب مشاركة واسعة بين الشماليين والجنوبيين في السلطة والثروة، وأن يُمنح الأخيرين استقلالاً معتبرا في إدارة شؤونهم. في هذا الخصوص، فإن قرار الحكومة اليمنية انتخاب المحافظين، والاتجاه نحو مزيد من اللامركزية (عقد مؤتمر حزب المؤتمر الشعبي، في 5-6 مايو 2009، تحت عنوان: "معا من أجل مواصلة مسيرة التطور الديمقراطي والتنموي والإصلاحات واللامركزية") يصبان في هذا الاتجاه.  في هذا الخصوص، قد يتم تحويل حركة الحراك الجنوبي إلى حزب سياسي يمثل المحافظات الجنوبية والشرقية، بعد أن أثيرت التساؤلات على مدى تمثيل الحزب الاشتراكي لمطالب الجنوبيين، ولاسيما بعد أن أصبح جزءاً من اللقاء المشترك. وسوف تكون فكرة المشاركة في السيادة أفضل الحلول الواقعية لضمان الاستقرار السياسي، وتهيئة الظروف لجهود التنمية، وسوف ترضي الطرفين (قادة الحراك الجنوبي والحكومة اليمنية)؛ لأنها تمثل حلاً وسطاً بين الانفصال والاستقلال الذاتي. وإذا لم ترق الفكرة الفائتة للمتحاورين، فيمكن أن يتأملوا فكرة أخرى مطبقة في بعض الدول، وتتلخص في نقل بعض السلطات إلى حكومة إقليمية يتم تشكيلها في الجنوب مهمتها إدارة شؤون الجنوبيين باستقلالية، وتكون مسؤولة أمام برلمان إقليمي، في إطار إعادة توزيع الاختصاصات بين الحكومتين المركزية والإقليمية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات