التصعيد الإسرائيلي الجديد ضد قطاع غزة

  • 7 أبريل 2011

بعد فترة طويلة نسبياً من التهدئة على جبهة المواجهة بين قطاع غزة وإسرائيل، أخذت عجلة الأحداث بالتسارع على طريق التصعيد، وبرزت معطيات إسرائيلية وفلسطينية توحي بأن الأسابيع القليلة القادمة مرشحة لحدوث تغيير فيما يسمى بـ"قواعد العمل" بين فصائل المقاومة وإسرائيل.

ويمكن تتبع ممهدات الحالة الجديدة، منذ عملية مستوطنة "إيتامار" شرق نابلس في الضفة الغربية يوم 11 مارس 2011 التي قتلت فيها عائلة يهودية، وألقيت فيها المسؤولية على فدائي فلسطيني، مجهول الهوية، ثم أثيرت الشكوك حول عامل أجنبي كان على خلاف مالي مع العائلة. وبعد أقل من أسبوعين تم تنفيذ عملية فدائية في القدس الغربية، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي بعدها مجزرة جديدة في قطاع غزة. ثم تواصلت الهجمات والاغتيالات الإسرائيلية، فيما ردّت فصائل المقاومة بإطلاق عشرات الصواريخ من قطاع غزة.. وهكذا بدأت سلسلة من الأفعال وردود الأفعال تفرض ذاتها على مسار التهدئة، ليحمل سمة أخرى تتصف بالتوتر.

ومع أن بعض كبار ضباط المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي يعترفون بأن التصعيد الأخير في قطاع غزة يعتبر تلقائياً، تخللته هجمات على مواقع مأهولة تابعة للفصائل، وأن هذه الفصائل أخذت تضغط باتجاه عدم ترك الطرف الإسرائيلي هو الطرف الوحيد المقرر، غير أن تدفّق سيل من التهديدات التي أطلقها كبار المسؤولين الحكوميين والحزبيين والعسكريين الإسرائيليين، يولّد انطباعاً بأن إسرائيل تحاول استدراج الفصائل الفلسطينية إلى جولة جديدة تفرض فيها القوة الإسرائيلية معطياتها على الأرض.

ويستوقف المتابع هنا مستوى العنف في هذه التهديدات، على غرار؛ "العمل ضد المنظمات المسلحة في قطاع غزة"، و"يجب أن نلقّنها درساً قاسياً مجدداً"، و"التصميم على ضرب المنظمات لجعلها غير قادرة على المس بالإسرائيليين"، و"الرد بحزم ومسؤولية على حماس"، و"استهداف قادة حماس"، و"ضرورة القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة لإنهاء حكم حماس"… إلخ.

ومن الملاحظ أن هذه التوجهات الإسرائيلية، ومثيلاتها، وإن كانت تنتمي إلى نمطين من الأداء هما؛ "النمط الدفاعي"، و"النمط الهجومي"، فهي تسمح بالاعتقاد بوجود قناعة لدى متخذي القرارات العسكرية والسياسية الإسرائيلية بأن اندلاع مواجهة جديدة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في قطاع غزة ليس إلا مسألة وقت، وفق اعتبارين رئيسين؛ أحدهما يتمثل بحفاظ إسرائيل على "قوة الردع"، والثاني يتلخص بمبدأ "جباية الثمن"، لمنع الفصائل من التمادي في العمليات والهجمات الصاروخية.

ولهذه الغاية، يضع المسؤولون الإسرائيليون قائمة طويلة من الحجج والذرائع، تتمحور حول طبيعة حركة "حماس" ومنطلقاتها وعمليات تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة والخطر المحدق بإسرائيل. وآخر ما سربته الأوساط الاستخباراتية العسكرية الإسرائيلية في هذا الصدد هو التحذير من المفاجأة القادمة التي تجهزها "حماس" لإسرائيل، وهي صواريخ كتف مضادة للطائرات دخلت إلى قطاع غزة عبر أنفاق التهريب، وأصبحت تشكل تهديداً لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. فضلاً عن الحديث الإسرائيلي عن امتلاك الفصائل ما يسمى "أسلحة خارقة للتوازن"، وصواريخ تهدد العمق الإسرائيلي.

وحين يؤخذ التوقيت المرتبط بالتصعيد الجديد، يستشف المتابع أن الأمر يتعلق بمنظومة متكاملة من التحضيرات والخطط والتداعيات. ومن القرائن الخاصة بذلك؛ استبدال الجيش الإسرائيلي قوات المظليين التي تحيط بقطاع غزة بقوات كبيرة من المدرعات والمشاة، المعروفة بمهمات الاجتياح؛ وذلك بدعوى مواجهة "خطر تدهور أمني"، قد يستدعي القيام بعملية اجتياح واسعة. على أن المؤشر الأهم هو؛ تنفيذ الجيش الإسرائيلي مناورات عسكرية رفيعة المستوى، بإشراف رئيس الأركان الجديد للجيش بيني غانتس، جرت في المنطقتين الشمالية والجنوبية، وشملت تشكيلات من أسلحة البر والبحر والجو، ومشاركة جنود وضباط من قوات الاحتياط، اختبرت طرقاً قتالية جديدة بالتعاون بين هذه الأسلحة في ظروف مختلفة، وفحص مدى جاهزية المعدات العسكرية والجنود.

وحسب تقارير متخصصة، فإنه على الرغم من أن هذه المناورات تعدّ تقليداً عسكرياً، نظراً لكونها تتم سنوياً بشكل دوري، فإن "الأهداف الاستراتيجية" الموضوعة لها هذه المرة أثارت اهتماماً بالغاً في أوساط المحللين العسكريين، إذ أعلن أنها استهدفت معرفة مدى الاستفادة من التدريبات التي جرت حتى الآن، لاحتمال مواجهة "حرب متعددة الجبهات"، والمقصود بذلك مواجهة خطر حرب مع قطاع غزة وجنوب لبنان، وخطر اتساعها لتصبح حرباً شاملة مع سورية وإيران أيضاً.

وبالمناسبة، كان من المفترض أن تستغل إسرائيل التصعيد الأخير لتجريب منظومة "القبة الحديدية" المضادة للصواريخ في الميدان، حيث نصبت البطارية الأولى في منطقة بئر السبع (أواخر آذار/ مارس الماضي)، وبعد نحو أسبوع نصبت بطارية أخرى في منطقة عسقلان على الساحل، ولكن لم يتم اختبار هذه المنظومة حتى الآن، وهو ما آثار التساؤل حول سبب عدم اختبار هذه المنظومة في هذا الظرف الذي يشهد تصعيداً مع قطاع غزة. وحيال ذلك، توقعت محافل عسكرية إسرائيلية أن يكون السبب هو الخوف من أن تفشل هذه المنظومة "القبة الحديدية" في اعتراض الصواريخ المنطلقة من القطاع، الأمر الذي سيمثل إحراجاً كبيراً للجيش يمكن أن يمس عقيدة الردع الإسرائيلي، ويفتح مجالاً للسخرية من الذرائع التي استخدمها السياسيون ورجال الصناعات العسكرية والضباط حول أهمية المشروع. ومن المرجح أن يكون هذا الأمر هو السبب الحقيقي خلف عدم تجريب المنظومة في الظروف الواقعية التي نشأت، بانتظار فرصة مناسبة بصورة أفضل، مع متابعة التجارب المخبرية.

وعلى الصعيد السياسي، يكاد يجمع المراقبون على أن البيئة الاستراتيجية الإقليمية والدولية الحالية، يمكن أن تشكل حاضنة مريحة لشن حرب جديدة في الظروف الراهنة. وحسب التوصيف الذي نشر في الرابع من شهر أبريل الحالي (2011) على موقع "تيك ديبكا" المقرب من أجهزة الأمن الإسرائيلية، "ستكون هذه الحرب مختلفة عن كل الحروب التي عرفتها الجبهة الإسرائيلية- الفلسطينية، من حيث أنها ستكون حرباً بعيدة عن الواقع القديم للشرق الأوسط الغارق في التقلبات والثورات، وسط اختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل".

وجاء تراجع غولدستون عن تقريره ليشكل عنصراً جديداً بين العوامل التي تشجع إسرائيل على الاستمرار في نهجها العدواني، بعيداً عن المساءلة الدولية، ابتداءً من مواصلة "الاغتيالات المريحة" التي تشكل استنزافاً لقادة المقاومة، مروراً بتدمير البنى التحتية للمقاومة، وانتهاء بإمكانية شن عملية يراد لها أن تكون ضربة قاضية.. هذه هي "حسابات الحقل" على الطريقة الإسرائيلية.. لكن "حسابات البيدر" عادة ما تأتي مغايرة.

Share