التشاؤم المفرط بخصوص أفغانستان

د. كينيث كاتزمان: التشاؤم المفرط بخصوص أفغانستان

  • 18 أكتوبر 2007

تجعلنا العديد من التقارير الصحفية والتحليلات الأكاديمية والبيانات الصادرة عن بعض المنظمات الدولية بشأن أفغانستان نعتقد أن هذا البلد يسير على خطى العراق في السقوط بدوامة مشروع أمريكي فاشل سيعيد حتماً أفغانستان لحالة "الدولة الفاشلة" التي كانت عليها قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا التحليل، من وجهة نظري، خاطئ وذو أثر عكسي، فهذه التحليلات المتشائمة التي بدأت تنتشر في كندا وألمانيا ودول أخرى مشاركة في قوات الناتو بأفغانستان تبين أن الحرب هناك لن تنجح وأن الوقت قد حان لإعادة تقييم المشاركة في هذه الساحة، وهو التحليل نفسه الذي يستخدمه منتقدو إدارة "بوش" في إطار تأكيدهم أن أفغانستان يمكن أن تنعم بالاستقرار إذا لم تحول هذه الإدارة طاقتها ومواردها نحو المشروع المتداعي في العراق.

وتتغذى هذه التحليلات المتشائمة من بعض الاتجاهات الحديثة التي تظهر أن التفجيرات الانتحارية في أفغانستان قد زادت بنسبة كبيرة، كما زادت تأثيراتها المدمرة على المدنيين وقوات الأمن الأفغانية. وقد شهدت أفغانستان بالفعل أكثر من 100 عملية تفجير انتحارية خلال عام 2007، أي أكثر من ثلاثة أضعاف العمليات التي تم تنفيذها عام 2005، في الوقت الذي يؤكد فيه أنصار هذا التيار المتشائم من المحللين أن وتيرة التفجيرات الانتحارية في كابول، التي كانت في السابق بمنأى عن هذا العنف نسبياً، قد زادت هي الأخرى. ويلاحظ آخرون أن حركة طالبان نجحت بالفعل في الحد من قدرة قوات حلف شمال الأطلسي على تهدئة وتأمين مناطق واسعة من أفغانستان، وخاصة في الجنوب، فمدينة قلعة موسى، على سبيل المثال، ما تزال في أيدي طالبان بعد سنة تقريباً من دخول الحركة هذه المدينة، التي كانت خاضعة لإدارة مجلس زعماء قبلي منذ قيام القبائل الأفغانية بتوقيع اتفاق مع السلطات الأفغانية والقوات البريطانية يقضي بأن تحكم هذه القبائل المدينة بعد إخلائها من القوات البريطانية.

كما تمكن مقاتلو طالبان حتى الآن من منع إعادة بناء سد كاجاكى في مقاطعة هلمند الجنوبية بعد فرض سيطرتهم على الطرق المؤدية إليه والتلال المحيطة به، مما عرقل وصول أطقم إعادة الإعمار. وربما كان الأهم من ذلك، في رأي الكثيرين، هو النمو المستمر الذي تشهده زراعة الخشخاش في هذا البلد، رغم بلايين الدولارات التي يتم إنفاقها لمواجهة تلك الزراعة، التي توفر أموالاً طائلة لمتمردي طالبان، والعصابات الإجرامية الأخرى التي تتحدى فرض سيادة القانون في أفغانستان.

كل هذه الملاحظات صحيحة، لكنها لا تعطي صورة كاملة عن الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في أفغانستان. بل على العكس من ذلك تماماً، فإن بعض هذه الملاحظات يمكن أن تستخدم لدعم القضية في الاتجاه المعاكس، فمن المرجح، على سبيل المثال، أن تكون حركة طالبان هي التي تتعمد التركيز على التفجيرات الانتحارية؛ لأنها تدرك أنها تحقق لها هدفاً مهماً يتمثل في زيادة شعبيتها وتأكيد حضورها، لكن القتال الذي يخوضه حلف شمال الأطلسي أثبت أن حركة طالبان لن تستطيع أن تربح المعركة عسكرياً.

 ومن المهم الإشارة هنا إلى أن عناصر حركة طالبان يُرغمون على التجمع في المناطق النائية؛ لأنهم لا يلقون الترحيب بين السكان في المدن والبلدات الكبيرة، وهذا يتناقض بشدة مع الوضع في العراق؛ حيث يمكن أن يختفي المتمردون السنيون في أحياء المدن الرئيسة الكبيرة، بما في ذلك العاصمة بغداد؛ لأن السكان على استعداد لاستضافة هؤلاء المتمردين وتقديم الحماية لهم كوسيلة للتعبير عن ولائهم الطائفي. غير أن هذا الواقع المواتي نسبياً في ميدان القتال الأفغاني لم يترجم على نطاق واسع في المناقشات البرلمانية في كندا وألمانيا وغيرهما من بلدان منظمة حلف شمال الأطلسي المترددة، والتي يغلب التشاؤم على رؤيتها للأحداث في أفغانستان.

لقد زادت زراعة الخشخاش بالفعل بنسبة كبيرة، وبلغت المنطقة المزروعة بهذه المادة المخدرة مستوى قياسياً، بوجه عام. ومع ذلك، فإن تقديرات أغسطس/أب 2007 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تبين أن الغالبية العظمى من تلك الزيادة جاءت من مقاطعة "هلمند" وحدها. وقليلون لاحظوا في هذه الدراسة أن عدد مقاطعات "الزراعة الحرة" قد زاد من 6 إلى 13 في العام الماضي. وهذا يوحي بأن برامج حلف شمال الأطلسي، والحكومة الأفغانية، والولايات المتحدة لمكافحة المخدرات ناجحة، ويمكن الآن أن تركز على هلمند وغيرها من المقاطعات، التي يبدو أن المشكلة فيها مستعصية على الحل، وربما تتزايد هناك.

والأكثر أهمية في هذا الصدد، هو أن تقييمات الأمم المتحدة توضح أن زراعة الخشخاش انخفضت في المحافظات الشمالية التي تخضع للسيطرة الحكومية. أي أن سيادة القانون وتنامي قدرة الحكومة الأفغانية في الشمال هو الذي أدى إلى الحد من هذه الزراعة وغيرها من الأنشطة غير المشروعة التي تُمارس من جانب الميليشيات والعصابات الإجرامية. وهذا يوحي بأن المثابرة من جانب القوات الدولية في جنوب أفغانستان في مكافحة حركة طالبان وتوسيع نطاق المناطق الخاضعة لسلطة الحكومة في الجنوب يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى إحراز تقدم في حل معظم مشاكل أفغانستان، والإبقاء على حركة طالبان في وضع حرج عسكرياً، كما سيسمح ذلك بتنفيذ المشاريع الكبرى في هذه المنطقة، مثل سد كاجاكي، الذي يتوقع عند انتهائه، أن يمد بالكهرباء جنوب أفغانستان بالكامل.

على الصعيد الوطني، اندمجت مختلف الطوائف العرقية الأفغانية مع بعضها البعض في إطار من التوافق الوطني الذي تشكل في مؤتمر بون عام 2001، والذي أفرز بدوره الحكومة الحالية التي تتكون من مختلف الأطياف الأفغانية، فالباشتون يسيطرون على السلطة التنفيذية، بينما يتمتع الطاجيك، المعارض الرئيسي للرئيس "قرضاي"، بالقوة داخل البرلمان، الأمر الذي يتيح لهم القدرة على الحد من هيمنة الباشتون. ولم يحدث أن انسحب أي فصيل من الحكومة أو البرلمان، رغم بعض الاضطرابات التي حدثت مؤخراً بعد رفض "قرضاي" الامتثال لتصويت البرلمان (تصويت كتلة الجبهة الوطنية التي يهيمن عليها الطاجيك) للإطاحة بوزير الخارجية "رانجين سبانتا". وخلافاً للعراق، ليس هناك أي دليل على انتشار عمليات العنف والتناحر العرقي أو تشريد السكان من ديارهم في أفغانستان.

 ومن بين الأمور التي تثير التفاؤل بشأن أفغانستان، عملية التطوير المستمرة لقوات الأمن الأفغانية كمؤسسات داعمة لأداء الحكم ومعززة للتضامن الوطني. ورغم أن هذه القوات ما تزال صغيرة؛ حيث تبلغ نحو 40.000 فرد فقط، فإن الجيش الوطني الأفغاني يمثل قوة وطنية حقيقية؛ حيث تشارك فيه وحدات متكاملة من بين كبرى الطوائف العرقية في أفغانستان. وقد تم نشر عناصر هذا الجيش في مناطق مختلفة من أفغانستان لوضع حد للنزاعات القائمة بين الفصائل الأفغانية المتنافسة، وتولي مهام توزيع المعونات الإنسانية، مكتسباً بذلك هتافات وتشجيع الكثيرين. ولا يوجد أي دليل في الجيش الوطني الأفغاني أو الشرطة الوطنية الأفغانية على وجود أي نوع من أنواع الطائفية العرقية التي تميز العديد من قوات الأمن العراقية.

خلاصة القول، إن أفغانستان، وخلافاً للعراق، تمثل مشروعاً مختلفاً يسير نحو التوصل إلى نتيجة ناجحة. ورغم أن التقدم بطيء، وأن هناك بعض النكسات التي حدثت، إلا أن الوضع في أفغانستان يمكن أن يتحسن، فمن خلال حشد مزيد من القوات الدولية الإضافية، وتوفير التمويل اللازم لجهود إعادة البناء والإعمار، وتفعيل الجهود الدبلوماسية المبذولة للتعاطي مع هذه الأزمة، يمكن التوصل إلى نتائج إيجابية والإسهام في تحقيق النجاح المطلوب. أما التقييمات المتشائمة غير الواقعية، والتي يمكن أن تجعل الدول المانحة للقوة والمال تعيد تقييم مشاركتها في الحملة الدولية الحالية في أفغانستان، فهي التي تمثل الخطر الرئيس الذي يهدد استقرار هذا البلد.

Share