التردُّد والتناقض تجاه التفجيرات الغامضة يكشفان ضعف إيران

  • 26 يوليو 2020

شيئاً فشيئاً يضيق الخناق على إيران، وتتسبب العزلة الدولية التي تعانيها، وسياسة الضغط القصوى التي تمارسها عليها الولايات المتحدة، بالمزيد من التقهقر في أوضاعها الداخلية؛ الأمر الذي يحجّم طموحاتها، ويفقدها زمام المبادرة، ويقيد إلى حد كبير قدرتها على الاستمرار في لعب دور المتمرّد الذي يهدد استقرار المنطقة وأمن الملاحة وحريتها في أهم ممرات التجارة العالمية التي تضمُّها.
ظهر ضعف إيران وتراجعها واضحَين في رد فعل طهران على الأحداث التي تشهدها منشآتها النووية والعسكرية والصناعية، وحتى مؤسساتها ومرافقها المدنية منذ يونيو الماضي، والتي إن لم يعلن أحد مسؤوليته عنها حتى الآن؛ فإنها تخفي وراءها تزايداً في سخونة الهجمة الأمريكية-الإسرائيلية عليها، وأنها آخذة في التحول من حرب باردة إلى فعل مباشر وسرّي على الأرض، تقف إيران أمامه عاجزة عن التصدي للضربات التي تتلقاها بشكل شبه يومي؛ الأمر الذي أربك أجهزتها وخططها واستراتيجياتها؛ وسبب لها تخبطاً أفقدها القدرة على التصدّي بفاعلية لحوادث شبحية جعلتها تتحسس رأسها على مدار الساعة.
وإلى جانب ذلك كله تعمَّقت التداعيات السلبية لانتشار فيروس كورونا المستجد، الذي ما زال ينتشر بوتيرة مطَّردة في مختلف أنحاء البلاد، ويسبب ضغطاً كبيراً على أنظمتها الصحية، وتوسعت الاحتجاجات الشعبية نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لشريحة واسعة من المواطنين الإيرانيين؛ الأمر الذي يمثل أزمة مستحكمة للنظام الإيراني، الذي ما زال يصرُّ على المكابرة، ويدعي القدرة على مواجهة وتحدي ما يسميه «قوى الاستكبار العالمي»، ويؤكد أنه سيثأر من الولايات المتحدة للضربة الموجعة التي تلقاها باغتيال جنراله القوي قاسم سليماني قبل أشهر عدة، التي أسهمت كثيراً في تقليم أظفاره، وإضعاف شوكته، في الوقت الذي يعجز فيه عن حماية مواقع حساسة للغاية يشكل اختراقها ضربة في صميم أمنه القومي.
وإقليمياً يبدو جلياً أن إيران، التي كانت تسعى بكل ما أوتيت من قوة إلى ترسيخ مبدأ تصدير الثورة، وتحاول دسّ أنفها بمناسبة وبغير مناسبة في قضايا دول المنطقة كلها، وتتدخل بشكل سافر في شؤونها الداخلية، وتدعم الحركات والقوى الإرهابية والانقلابية التي تزعزع أمنها وتهدد سلامها الاجتماعي، بدأت تفقد خيوط اللعبة نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها الوعي الجماهيري الرافض لتدخلاتها حتى في أوساط فئات انطلت عليها حيلها سابقاً، كما هي الحال في العراق الذي يشهد تحجيماً واحتواءً تدريجياً للميليشيات التي تأتمر بأمرها، وفي لبنان الذي يتراجع فيه دور حليفها «حزب الله» نتيجة السخط الشعبي العارم، واليمن الذي يواجه فيه وكيلها الحوثي وميليشياته هزائم متكررة ورفضاً شعبياً واسعاً، وفي سوريا التي تواجه فيها، بالإضافة إلى الرفض الشعبي والمقاومة عسكرياً من الفصائل السورية المسلحة، ردعاً إسرائيلياً يكيل لقواتها ومعداتها وحلفائها الضربات المتتالية التي لا تتيح لها المجال لالتقاط أنفاسها وإعادة تنظيم صفوفها. ويضاف إلى ذلك كله الرفض الإقليمي المتنامي للسياسة الإيرانية، والتنافس المحموم على النفوذ في المنطقة بين أقطاب دولية وإقليمية؛ وهما أمران يسهمان في إضعاف دور إيران، وتراجع تأثيرها يوماً بعد آخر.
وشعور إيران بالضعف يدفعها إلى البحث عن خيارات وتحالفات جديدة حتى إن كانت أكثر تكلفة، تساعدها على كسر طوق الحصار، وتوفّر لها منفذاً يمكنها من خلال الاستعانة به التقاط أنفاسها، خصوصاً أنه لا يمكن لها أن تراهن حالياً على أوروبا، التي لم تعد تحفل كثيراً بإحياء الاتفاق النووي الذي نقضته إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بل تسعى من منظور مصلحي إلى التناغم مع سياساته من دون أن تقطع خيط الاتصال الرفيع مع طهران؛ وهو الأمر الذي تجلى في تبنّيها مؤخراً قراراً في مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية يطالب إيران بفتح المزيد من منشآتها النووية، التي لم تكن مدرجة سابقاً في قوائم الوكالة للتفتيش الأمر الذي رأت فيه الأخيرة انقلاباً في النهج الأوروبي، الذي كان يميل إلى اتباع سياسة أقل خشونة تجاهها، ويشكل عامل توازن تجاه التطرف الأمريكي في التعامل معها، في الوقت الذي تَحُول فيه براجماتية الحليف الروسي -الذي ينظر هو أيضاً بعين الريبة والتوجّس إلى دورها في سوريا، ويسعى إلى الحد منه- دون قدرة طهران على الاعتماد عليه للوقوف في وجه الحملات المتتالية التي تستهدفها من الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو ما دفعها إلى التوجُّه نحو التنين الصيني الباحث عن منافسة الولايات المتحدة عبر تعزيز حضوره في المنطقة، أملاً في أن يلقي إليها طوق النجاة؛ وذلك من خلال اتفاق اقتصادي وأمني ضخم وشامل وطويل الأمد (25 عاماً)، وينطوي على تنازلات وصفها الكثير من الأوساط الإيرانية بغير المقبولة، سيسمح بتدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات الصينية إليها، ويكسر طوق العزلة المفروض عليها، ويمنح بكين ميزة الحصول على النفط الإيراني بشكل منتظم وسعر مخفض طوال مدة سريان الاتفاق، إلى جانب تعزيز الشراكة العسكرية بين البلدين؛ الأمر الذي يوفر للصين موطئ قدم في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج العربي الحيوية على وجه الخصوص.

محاولات إيرانية فاشلة
لم تفلح محاولات إيران، حتى الآن، للإفلات من الملاحقة الأمريكية-الإسرائيلية الهادفة إلى إجهاض طموحاتها النووية، وكبح انتشارها الإقليمي؛ فالضغط الأمريكي مستمر، بل يتصاعد باستمرار على العكس من الآمال الإيرانية بأن تخفَّ وطأته في ظل انشغال الإدارة الأمريكية وانهماكها في حملاتها لانتخابات الرئاسة المقبلة، التي ستجرى في شهر نوفمبر المقبل، وكذلك في معالجة أزمة جائحة فيروس «كورونا» في البلاد، التي تسجل حالياً أرقاماً قياسية من الإصابات والوفيات؛ إذ لا يكاد يمر يوم من دون تصريح، إما للرئيس الأمريكي، وإما لوزير خارجيته، مايك بومبيو، يؤكدان فيه أن سلوك إيران لا يبعث على الرضا، وأن أمريكا ستضمن استمرار حظر الأسلحة عليها حتى بعد انتهاء العمل به في أكتوبر المقبل؛ للحيلولة دون أن «تصبح طهران تاجر السلاح المفضَّل للأنظمة المارقة والمنظمات الإرهابية حول العالم».
وعلى الأرض تتواصل سياسة الاحتواء الخشن غير المعلنة بحق إيران على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ ففي الداخل لم تتوقف الحرائق والانفجارات والحوادث الغامضة التي طالت منشآت في مختلف أنحاء البلاد خلال الأشهر الأخيرة، وكانت متلاحقة وبفواصل زمنية قصيرة، ووصلت إلى أماكن حساسة للغاية على رأسها موقع خوجير لتصنيع المتفجرات العسكرية واختبارها شرق العاصمة طهران، الذي تمَّ ضربه في الحادث الأول، ومجمع نطنز النووي، الذي كانت الضربة فيه موجعة للغاية؛ لأنها دمرت وحدة لتصنيع أجهزة الطرد المركزي الحديثة، وعوَّقت البرنامج النووي الإيراني وأخَّرته لمدة لا تقل عن سنة؛ وهو ما أثار حولها الكثير من التساؤلات التي تشكك في إمكانية أن تكون عرضية أو عشوائية، وترجّح الاحتمالات والآراء التي تشير إلى كونها عملاً منظماً ومخططاً له، ويتمّ تنفيذه بأكثر من وسيلة قد تشمل هجمات سيبرانية وصواريخ موجَّهة وعبوات ناسفة يتمُّ زرعها بسريَّة تامة، أو من خلال عملاء داخليين.
أما خارجياً؛ فتواصل إسرائيل حربها المعلَنة على الوجود الإيراني في سوريا، عبر قصفها عشرات المواقع التي تضم قوات أو معدات تابعة لها على الأراضي السورية، وكان أحدثها القصف الذي جرى في العشرين من يوليو الجاري، وطال مواقع عسكرية تابعة لإيران، ومقرات لميليشيات «حزب الله» اللبناني، وبطاريات دفاع جوي تابعة للنظام السوري في محافظتي درعا والقنيطرة، وذلك عقب أسبوعين فقط من توقيع اتفاقية أمنية وعسكرية بين طهران ودمشق.
وعلى الرغم من هذين التصعيدَين المعلَن والمخفي، فلا تزال إيران، التي تبدو أكثر عجزاً، تهدد بنفاد صبرها الاستراتيجي في حال تجاوز أعدائها الخطوط الحمر، وهو الصبر الذي تتذرَّع به في انتظار نتيجة الانتخابات الامريكية، وعلى أمل أن تفضي إلى خروج ترامب من البيت الأبيض، وفوز جو بايدن الديمقراطي الذي تتطلع إلى أن يعيد العمل بالاتفاق النووي؛ باعتبار أنه كان جزءاً من إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، التي وقعته حيث كان وقتها يشغل منصب نائب الرئيس؛ الأمر الذي يعني أنها ستبذل قصارى جهدها لتتجنب التصعيد الذي قد يفاقِم التحديات التي تواجهها داخلياً وخارجياً، فضلاً عن أن قيامها بأي رد فعل قد يقود إلى المزيد من الهجمات على منشآتها، قد تكون هذه المرَّة أكبر حجماً وأكثر اتساعاً، وتلحق بها خسائر فادحة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات